مجتمع "البحّيشة"!
ماجد توبه
لا اعرف سبب تواجد شخصين في المغارة التي انهارت عليهما في طريق حوارة باربد
امس، وتم انقاذهما والحمد لله، والامن العام لم يدخل بالتفاصيل عادة حفاظا على الخصوصية
والتزاما بمقتضيات التحقيق.
لكن اول ما تبادر الى ذهني، واعتقد انه ايضا ما تبادر لذهن الكثيرين، ان
الشخصين ربما كانا يبحثان عن الذهب، فكل مغارة ومكان اثري او حتى صخرة معمرة باتت
مشروع حلم بوجود ذهب تركته اقوام غابرة مرت على هذه الارض. طبعا دع عنك عمليات النصب
والاحتيال بادعاء البعض انكشاف الغيب عليهم ومعرفة مكان ذهب مدفون قد يكون احيانا
تحت عمارة او بيت قائم قد ينتهي الحفر تحته لانهياره فوق رؤوس الباحثين عن الثرء!
ما علينا..
هذا نوع من "البحش" او "البحيشة" في الاردن يهربون
اليه حد الهوس بحثا عن ثراء سريع، والاغلب بحثا عن مصدر مالي يواجهون به فقرا
وبطالة اكلتا الاخضر واليابس في المجتمع!
لكن "البحيشة" لا يقفون عند حلم الذهب! فثمة نوع اخر من البحيشة صاروا
مشهدا عاما في شوارع واحياء عمان وباقي المدن والقرى، بحيشة يبحثون في حاويات
النفايات عن معادن وبلاستيك وورق وما تجود به اسر من بقايا طعام وخبز فاض عن
الحاجة او اصيب بالعطب.
ليست المشكلة المثيرة في وجود "البحيشة" بل في مجتمع يولد يوميا
العشرات بل والمئات، صغارا وكبارا يمتهنون هذه "المهنة"... طبعا لا
تحتاج لعبقرية اينشتاين لمعرفة ان الفقر والجوع هو ما يدز هذه الفئات الواسعة لهذه
العملية التي لا تكاد تسد رمق وجوع من في البيت او "الخشة"، وهم ينتظرون
الايام الأجمل التي لم تأت بعد على رأي صاحبنا!
وقس على هؤلاء "البحيشة" الصغار والكاحين الكثير،
فـ"البحش" بات فنونا تدفع الى اختراعها الحاجة في مجتمع لا تكاد فئات
كبيرة منه تجد ابسط شروط الحياة.
ناتي لـ "بحيشة" اخرين، ربما كانوا محسوبين يوما على الطبقة
الوسطى، هؤلاء "بحيشة" ما يزالون يعاندون ويحاولون الاحتفاظ بوقارهم..
هؤلاء وجدوا انفسهم مضطرون ليصبحوا"بحيشة".. لكنهم "بحيشة"
قروض بنكية يغرقون رويدا رويدا في هذا العالم في محاولات مستميتة للحفاظ على ما
تبقى لهم من كرامة وحد ادنى من معيشة.. قروض سيارات.. قروض بيوت.. قروض وسلف
مصاريف طارئة.. قروض للجامعات .. وللتسهيل على توريطهم اكثر تبدع البنوك في تقديم
اغراءات الجدولة.
ما علينا..
ثمة نوع اخر من "البحيشة" تخصص لفئة "النخبة
السياسية". وزراء سابقون ولاحقون ومثلهم نواب وايضا اعلاميين "مرضي
عنهم" ومقدمي خدمات قلب الابيض اسود وفاسدين من جميع الاشكال والانواع لكن
تحت البنديرة.. هؤلاء "يبحشون" و"يبحش" لهم عن وظائف ومشاريع بمبالغ
سخية، طبعا ليس شرطا ان "تبحش" لهم عن وظيفة في القطاع العام فالقطاع الخاص
ايضا كنز اكتشف منذ سنوات وادخل في لعبة "البحيشة" ليمشي مصالحه!
حتى معارضون استمرأوا اللعبة.. ما عليك الا رفع الدوز و"الطخ عن جنب
وطرف"، وبعدين اترك الامر لـ"البحيشة" ليقدروا ثمنك ويريحوك من تعب
الطخ ووجع الراس.
ما علينا..
لا يمكن ان نتناول ظاهرة "البحيشة" وان نترك "البحيشة"
الأولى، والأم الرؤوم لباقي "البحيشة".. عرفتوها اكيد. الحكومات الرشيدة
التي تتقن "البحش" على أصوله، لم ولا تترك "بحبشة" في جيب المواطن
الا ووصلتها.. كنا نامل ان تبدع في "البحبشة" في باطن الارض بحثا عن نفط
وغاز ومعادن لكنها كما يبدو الافشل في ذلك او ليست اولويتها.. لكن "البحبشة"
في جيب المواطن واستنفاد "الهبرة" منه تبقى _ كما يبدو_ اسهل واكثر جدوى
على المديات القصيرة وهو ما يهم سياسيينا.. ممن لا تتجاوز نظرتهم المتر او المترين
امامهم.. اما اجمل الايام التي لم تات بعد فلها الله وذاكرة السمكة لدى المواطن!
ما علينا..
على فكرة كنت اريد ان اكتب بهذا المقال عن موضة "السردية
الوطنية"، وهي للعلم تحتاج لـ"بحيشة" افذاذ... لكن وجدت نفسي اقع في
فخ "البحيشة" والحديث عنهم!
























