ثمن الخيانة وكلفة السقوط
معتصم الهويمل
نحن لا نعيش في مجتمعات تبحث عن الأخلاق، مجتمعاتنا تعيش على
اصطياد الضحايا، لذلك نلحظ أن الاعتراف مهجور، والفضائح مطلوبة، والسقوط كل السقوط
كاملا هو المقياس.
حينما بدأت فضائح ملفات جزيرة Jeffrey Epstein بالظهور،
استدعت ذاكرتي فورًا أحداث فيلم صالون هدى، حيث تتحول الخصوصية إلى ساحة صراع،
وينقلب الخطأ الفردي لأداة ضغط بيد السلطة التي تتحكم بكل التفاصيل في
حياتنا، تتجلى هذه الديناميكية بوضوح في أحداث الفيلم.
دعونا نكون أكثر صراحة: نحن لا نريد أن يقر المخطئ بالخطأ،
نعيش في مجتمعات تبحث عن الضحية التالية، لا نريد المحاسبة، إنما نريد الفضيحة
والسقوط المدوي، عندما يَسقط أو يُسقط مسؤول أو شخصية عامة في نزوة بشرية، فإن
السؤال لا يكون: ماذا حدث؟ بل: متى نبدأ بإسقاطه اجتماعيًا بالكامل؟
تتغنى المنطقة العربية
بمجملها بالقيم، ولكنها في الواقع تحول الأخطاء الفردية إلى محاكم اجتماعية
مفتوحة، الجنس والكحول — سواء اتفقنا أو اختلفنا حولهما — لم يعودا مجرد أفعال، بل
أصبحا أدوات إعدام معنوي، وبالتالي لا يعود القانون هو الحكم الحقيقي، المزاج
الجمعي وأحيانا الذباب الإلكتروني -وهما بيد السلطة الحاكمة أحيانا- ، لا يعود
الخطأ مجرد خطأ، بل يتحول إلى حكم مؤبد بالعزل الاجتماعي والسياسي.
في عالم الرجل الأبيض
الذي يدّعي الحداثة وينادي بها لا يختلف الأمر كثيرًا عن هنا، فالنخب العالمية
تتحدث عن الحرية الفردية بأعلى صوت، لكنها في الخفاء هي من تنشئ وتدير إدارة
أكبر شبكات السيطرة عبر الأسرار الشخصية، والدليل أن فضائح النخب لم تُسقط أفرادًا
فقط، بل كشفت بنية كاملة من تداخل المال والسلطة والنفوذ.
أعادت قضية Jeffrey Epstein تذكير العالم بحقيقة
قاسية: السلطة لا تُدار فقط عبر القرار السياسي، بل من خلال من يملك أسرار أكثر عن
الآخر.
ومع ذلك، يستمر الخطاب العام في اختزال المشهد في الجنس
والكحول، وكأن المشكلة أخلاقية سطحية فقط، بينما الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها
بصوت عالٍ هي أن هذه الملفات كانت — وما زالت — أدوات سياسية بامتياز، أدوات
لإسقاط، أو إخضاع، أو إعادة تشكيل مواقف أصحاب القرار ومراكز القوى.
يلاحِظ من شاهد استجواب
الكونجرس الأمريكي للمدعي العام للحكومة الأمريكية رفضها الإجابة على أي من اسئلة
الاستجواب، وتشبثها بأن كل ما جاء في الفضائح مجرد افتراء ومحاولة لإخفاء نجاحات
ترامب وحكومته في رفع أداء السوق المالي وأسعار الأسهم، أي إصرار هذا في الدفاع عن
كل هذا الشر مقابل أسعار الأسهم؟
ومع التسليم الكامل
بوحشية هذه الجرائم التي تضمنت جرائم وحشية بحق الأطفال، فإن النقاش السياسي لم
يتوقف عند الجريمة نفسها، بل عند شبكة القوة التي سمحت بحدوثها أو التستر عليها.
في السياق العربي،
المفارقة أشد قسوة، نحن لا نسمح بالاعتراف، لكننا في الوقت نفسه نعاقب الصمت عندما
يُكشف، نحن لا نصنع بيئة تمنع الخطأ، بل نصنع بيئة تمنع المواجهة. وبالتالي، نحن —
من حيث لا نعترف — نصنع أفضل بيئة ممكنة للابتزاز السياسي والأمني.
السؤال الصادم الذي يجب أن نواجهه ليس: هل نريد مجتمعات
أخلاقية؟ بل: هل نريد مجتمعات تحب تدمير من يخطئ أكثر مما تحب إصلاح الخطأ نفسه؟
وهل نريد قادة بلا أخطاء — وهو وهم — أم قادة بلا أسرار يمكن استخدامها ضدهم؟
الحقيقة التي قد لا تعجب كثيرين هي أن المجتمعات التي تقدّس
الصورة أكثر من الحقيقة، لا تحمي نفسها أخلاقيًا، بل تضع نفسها تحت رحمة من يجيد
استخدام الفضائح كسلاح، وحينها، لا تسقط فقط سمعة الأفراد، بل قد تسقط قرارات دول،
وسياسات، وربما مصائر شعوب كاملة.
وحتى لا يُفهم أعلاه في غير سياقه، فإنني إذا ما أردت قول
شيء، فأنا أقول لنا جميعًا، لنكن أوسع صدرًا وتقبلًا لمن يتعرض
للابتزاز أي كان نوعه، وأقول لمن يسقط أو يتم إسقاطه على حد سواء، تعال، تعال ولا
تخف، السقوط غالٍ كما ثمن الخيانة، التاريخ قد يرحم من يسقط أو يتم إسقاطه
ويعترف، لكن ثمن الخيانة ستدفعه حيًا وميتًا وأحفادك، قبل أن تفكر بالأثمان،
تجنب ما قد يسقطك، واعرف من يسعى لإسقاطك سريعًا.
بين السقوط والخيانة شعرة
رفيعة ينسجها المبتزون ببراعة. فإذا سقطت، فليكن سقوطك في حضن الحقيقة لا في
دهاليز التستر، لأن ثمن الاعتراف يُدفع مرة واحدة، أما ثمن الخيانة فستسدده أجيال
من بعدك، لنكن أوسع صدراً لمن كُشف سترهم، حتى لا نتركهم فريسة سهلة لمن يريد
إسقاط قرارات دولنا وسياسات شعوبنا تحت وطأة الفضيحة. تذكروا دائماً: لا تسقط
الأوطان إلا حين تصبح أسرار قادتها في جيوب أعدائها.
























