الحرب الكرامة والفلسفة: المرشد الجديد وطائر الحوما
د حيدر البستنجي
هناك طائر أسطوري يرمز للروح الفارسية ، يعيش
داخل الشعر والأدب والأساطير الفارسية عبر التاريخ حيث ذكره فريد الدين
العطار في منطق الطير وتغنى به شعراء وفلاسفة الفارسية وهو طائر الهوما او
الحوما الذي يواصل الحوم والتحليق ، يقال إن طيور الحوما لا ترتاح أبدا، وتعيش
حياتها كلها تحلق عاليًا في السماء ، ولا تحط على الأرض أبدًا إلا عند سقوط الدولة
، هذا الطائر مثل طائر الفينيق في الأسطورة العربية ، يسقط من طيرانه ويقع في
النار كل بضع عشرات من السنين، فقط لينهض من الرماد حياً وشاباً بشكل جديد .
فريد الدين العطار في كتابه منطق الطير، هذه
الملحمة الفلسفية الصوفية المنسوجة شعرا رمزيا ( حوالي 4500 بيت) يتحدث عن
رحلة الوصول إلى الحقيقة النهائية والمعرفة الإلهية عبر رحلة الطيور (السالكين)
وعبور الأودية السبعة نحو الطائر الأسطوري "السيمرغ" (الذات
الإلهية)، مؤكدا أن العشق والتجربة الروحية هما الطريق إلى المعرفة
الحق لا العقل المجرد.
هل كانت هذه الأفكار في ذهن المرشد علي خامنئي والذي تفيد
المصادر الإيرانية انه رفض الاختباء لأنه لا يريد أن يموت مختبئاً تحت الأرض فقد
أكمل عبور أودية الحكمة السبعة ووصل إلى أعلى المراتب (الطلب، العشق،
المعرفة، الاستغناء، التوحيد، الحيرة، ثم الفناء في الله) ولم يعد ممكنا ان يموت
تحت الأرض مختبئاً ككائن بشري عادي ، إذاً، اذا كان لابد من الموت فليمت
بكامل بهائه وسلطانه وسط أتباعه وحاشيته ، غابت الحكمة وحضرت الأسطورة دون
ان يدري انه بهكذا قرار أنهى عمليا نظام ولاية الفقيه بشكلها العالي ، في اللحظة
التي قرر بها ان يعطيها بعدا أسطوريا ، وفي المقابل كانت الولايات المتحدة -النظام
العملي البراغماتي- تحتفل بالنتيجة الحسابيّة للهجوم دون مناقشة او ادنى
التفات لرمزية المرشد .
النتيجة علقت ، فولاية الفقية كنظام سقطت في النار
وطائر الحوما حتى لو عاد من جديد سيعود بشكل آخر وربما كان لطريقة موت
المرشد خامنئي دورا في تولية ابنه مجتبى خامنئي خليفة له، و يبدو أن اختياره قضية
عاطفية لها علاقة بالمظلومية الشيعية وفكرة الشهادة ، خاصة بعد قتل والده
بهذه الطريقة الأسطورية وحاجة ايران إلى التماسك والحفاظ على بنيتها السردية !
لكن للمرة الأولى لن تنظر ايران داخلا فقط بل سيكون
للغرب رأي ودور في تقبل المرشد الجديد ، و صيرورة طائر الحوما الفارسي
ومصيره و في تشكيل عودته وتحديد لون ريشه وربما حياته أيضاً ،
طبعاً نتنياهو الآن يشعر بالإرتياح بعد إختيار الشخصية الأكثر تشددا
في إيران، مما يتيح له مواصلة حربه إلى النهاية فهو سيواجه التشدد بالمزيد من
التشدد ويواصل اشراك الولايات المتحدة في الحرب على ايران حتى النهاية .
اما الولايات المتحدة فهي بسبب فائض القوة ونظرتها لإيران
كجائزة حان وقت قطافها فإنها تعمل على تغيير الشرق الأوسط بشكل كامل وتوظف
الجموح الإسرائيلي لخدمة اجندتها ، و من خلال تحليل الخطاب الأمريكي سندرك تماما
ان الهدف لم يكن يوماً الديمقراطية ولا حقوق الإنسان بل البحث عن نظام
سياسي إيراني متعاون حتى لو كان جزء منه من بقايا النظام الحالي يرتدي العمامة او
البدلة لا يهم ، الأهم هو وجود حكومة يمكن للولايات المتحدة وشركائها
التعامل معها والاستفادة منها و من موارد وموقع إيران في سياق المواجهة
الشاملة القادمة مع الصين والا فإن مصير المرشد الجديد سيكون كمصير من سبقه
.
لذلك ستتعامل مع اختيار مجتبى خامنئي كمشروع تحت المجهر
والاهم هو رغبته وقدرته على تقديم المطلوب منه والقبول بتغيير وجه ايران
نهائيا والانكفاء داخليا وتقديم سياسة براغماتية قد تضمن له بقاء نظام
الملالي ، فالنظام القادم مطلوب منه دور كبير لايمكن ان يقوم به إذا لم
يتمتع بالشعبيّة او القوة اللازمة .( يتبع)

























