سذاجة التهافت على تخزين السِلع
عوض ضيف الله الملاحمة
بعض سلوكيات الناس تنتج عن جهل ، وعدم وعي ، وأنانية ،
وشعور داخلي كامن بالخوف ، والجُبن ، وانعكاس لقلق داخلي ، وعدم استقرار
نفسي ، وسلوك هوجائي عشوائي .
تابعت في الأسابيع الأخيرة ، سلوكاً عجيباً غير مبرر من بعض
الناس ، ويتمثل ذلك في التهافت على تخزين كافة انواع السلع وبكميات تكاد تكون
تجارية وليس لها علاقة مطلقاً بالاستهلاك العائلي . لدرجة انه عُرض على بعض
الشاشات ، ووسائل التواصل الإجتماعي ان بعض أرفف السلع في بعض المؤسسات التجارية
الكبرى تكون خالية من السلع رغم تزويدها لعدة مرات في اليوم الواحد . كما يمكن ان
تشاهد ربّ أسرة قد عبأ عدداً من عربات الزبائن ، قد يصل عددها الى سبعة عربات او
أكثر .
أعتقد ان من يتهافت على شراء وتخزين السلع يكون بالتأكيد
إنساناً مريضاً بداء القلق ، والخوف ، وعدم الإستقرار النفسي ، بلا شك .
الحكومة تضع المواطنين بصورة المخزون من كافة انواع السلع ،
سواء المواد الغذائية ، أو الإستهلاكية ، او كافة انواع الحبوب من قمح ، وأرز ،
وحتى الشعير كعلف للحيوانات ، وكذلك تُطلعنا باستمرار على مخزون الأدوية والعلاجات
والمستلزمات الطبية، وصولاً الى مخزون المشتقات النفطية ، وغيرها .
وحتى أُذكر من يتهافتون على شراء وتخزين السلع ، وكل شيء مِن
الإحتياجات الإنسانية ، سأذكر لكم ما يلي ، وهي إحصائيات حكومية رسمية معتمدة ولا
مجال للتشكيك فيها :—
١ )) يبلغ
المخزون الإستراتيجي للقمح في الأردن حالياً ، في شهر آذار ٢٠٢٦ ، مستوياتٍ آمنة ،
حيث يكفي الإستهلاك المحلي لمدة تتراوح بين ( ٥–٦ ) شهور ، وهي كميات موجودة داخل
صوامع الحبوب داخل الأردن . وترتفع الى ( ١٠ ) أشهر عند إحتساب الكميات المتعاقد
عليها ، والمتواجدة في البحر . وللعلم فان منشأ ( ٩٠٪ ) من استيرادنا للقمح حالياً
من رومانيا ، نعم رومانيا — وأين رومانيا من ساحة الحرب ؟ ومسار الشحنات والسفن
بعيد كل البعد عن منطقة الحرب — كما يتم استيراد نسبة ال ( ١٠٪ ) من دول أخرى مثل
: أستراليا ، وفرنسا ، والمانيا ، وهذا يعني ان الاستيراد من استراليا ربما يتأثر
بسبب الحرب ، لكن الحكومة ستعوض ذلك من دول اخرى .
٢ )) أما
مخزون الشعير الموجود حالياً في المستودعات داخل الوطن فيكفي أغنامنا وحيواناتنا
لمدة ( ٩ ) شهور .
٣ )) المخزون
الإستراتيجي الأردني من الأدوية يكفي إحتياجات المملكة لفترة تتراوح بين ( ٦ — ١٢
) شهراً . ويغطي هذا المخزون الأدوية الأساسية ، والحياتية ، بالإضافة الى ((
المواد الخام الأولية اللازمة لتصنيع الأدوية )) ، مما يضمن إستقراراً صحياً
عالياً ، وإستمراراً في سلاسل التوريد دون إنقطاع . راجياً التمعن والتفكر بعمق
بما ورد أعلاه نصاً : (( يتوافر مواد خام أولية لتصنيع الأدوية )) ، حيث يوجد في
الأردن — والحمد لله — ( ٣٤ ) مصنعاً للأدوية ، وموادها الخام متوفرة . ويوجد في
هذه المصانع ( ٩٠ ) خط إنتاج ، وتنتج هذه المصانع ( ٨٩٧٧ ) صنفاً دوائياً محلياً ،
تغطي ( ٥٢٪ ) من إحتياجات السوق ، وتُصدّر الى ( ٧٨ ) سوقاً خارجياً .
٤ )) المخزون
من المشتقات النفطية ، حسبما اكدته وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية ،
ونقابة أصحاب محطات المحروقات ، يعتبر آمناً ومستقراً ، ويكفي لمدة ( ٧٠ ) يوماً .
كما وصل الى ميناء العقبة مؤخراً ( ٨ ) بواخر نفط ، و (٥ ) بواخر غاز مُسال ، ولا
يوجد اي إلغاء ، او تأخير في وصول البواخر .
٥ )) مخزون
الأرز آمن ومطمئن ، ويكفي حاجة السوق المحلي لمدة ( ٤ ) أشهر ، إعتباراً من نهاية
شهر ٢٠٢٦/٣ ، وتؤكد وزارة الصناعة والتجارة والتموين ان سلاسل التوريد مستقرة ،
ولا داعي للتهافت على الشراء ، مع توفر كميات كبيرة من مختلف انواع الأرز في
المستودعات والأسواق .
ما ورد اعلاه تبيان لمخزون القمح ، والشعير ، والأرز ،
والأدوية ، والمشتقات النفطية ، حصراً ، لأنها سلع ومواد مستوردة ، وقد بينت
الأرقام ان مخزوناتها آمنة ، وسلاسل التوريد مستقرة .
من زاوية أخرى ، وهي الزاوية التي حصل التهافت بسببها ، وهي
حرب أمريكا والكيان على إيران ، فإن معظم المحللين العسكريين والسياسيين
والإستراتيجيين ، يرجحون إنتهاء الحرب خلال إسبوعين . ويستندون في ذلك الى أسبابٍ
عديدة ، لا مجال لذكرها .
التهافت على شراء وتخزين السلع ، ( لا يتماشى ) ، بل ( يتعارض
) مع إستراتيجية الحكومة في هذا المجال ، ويربك حسابات الحكومة في كميات المخزون
الإستراتيجي الذي تعمل عليه الحكومة بدقة متناهية وحسابات واضحة وبالأرقام . كما
يُحدِث إرباكاً كبيراً وخطيراً لسلاسل التوريد . ويربك أيضاً ميزانية الأُسر وآلية
الإنفاق لديها خاصة الأُسر محدودة الدخل . وفي النهاية ، وعندما تضع الحرب أوزارها
يكون مصير غالبية السلع المخزنة حاويات القمامة ، مع كل الأسف ، والألم .
التهافت ، سلوك ساذج ، لا ينم عن وعي ، بل يؤكد جهل ، وخوف ،
وجُبن ، وشعور بعدم الإستقرار الداخلي . تفاهة التهافت واضحة جليّة ، لا أتمنى
للناس ان يتصفوا بهذه الصفة المقيتة .

























