شريط الأخبار
من الهشاشة إلى المنعة: لا استقرار في المشرق ما دام أصل العطب قائمًا "القدس الدولية": الاحتلال ماض بتهويد وتقسيم الاقصى وعلى الامة التحرك لحمايته الأردن يدين: مصادقة إسرائيل على إقامة 34 مستوطنة جديدة تقويض للحل الدولتين مفاوضات مباشرة بين لبنان واسرائيل.. وايران وحزب الله يتمسكان بمطلب وقف النار ونتنياهو يصر على الحرب ولي العهد: أهمية البناء على ما حققه تطبيق سند للتوسع بالخدمات الحكومية حين تتحول الدماء إلى حبرٍ عملية مشتركة لمكافحة المخدرات في الأردن وسوريا تحبط تهريب 943 كغم من عجينة الكبتاجون موقف قانوني دولي: قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن إغلاق المقدسات بالقدس تفتقر للشرعية الدولية جهود دبلوماسية لإنقاذ الهدنة وايرن لن تبدأ مفاوضات باكستان قبل وقف العدوان على لبنان الأردني الرمحي ينسحب من نصف نهائي العالم للكيك بوكسينغ رفضًا لمواجهة إسرائيلي العيسوي يلتقي مبادرة القدس في عيون الهاشميين الملك باتصال مع الرئيس عون: الاردن يقف لجانب لبنان "الوطنية الشعبية الاردنية" تدعو لمنظومة عربية امنية اقتادية وطنية فاعلة متحررة من التبعية حرب صعبة تهزّ وجه العالم هارتس: الحرب في إيران هي فشل بحياة نتنياهو.. وهي أسوأ بكثير من أحداث السابع من أكتوبر إفساد الهدنة.. نتنياهو يُسقط لبنان في بحر من الدم لبنان ورقة نتنياهو الأخيرة:بين مأزق الداخل وتعطيل مسار التهدئة الإقليمية وسط تشكيك بصحته العقلية.. ترامب: لم أتظاهر بالجنون لردع إيران التاسع من نيسان كما عشت تفاصيله في بغداد حكومة الاحتلال تقر سرا إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية

قراءة في محاضرة الدكتور عدنان بدران

من الهشاشة إلى المنعة: لا استقرار في المشرق ما دام أصل العطب قائمًا

من الهشاشة إلى المنعة: لا استقرار في المشرق ما دام أصل العطب قائمًا



 

بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد 

 

ليس أخطر على الأمم من أن تختل عندها بوصلة التفسير، فتغدو النتائج أسبابًا، وتصبح الأعراض عللًا، ويُدفع الناس دفعًا إلى النظر في الفروع، بينما الجذر القائم في القلب يواصل نخر الكيان، وإفساد العمران، وتعطيل المستقبل. وتلك، في جوهرها، بعض مأساة هذا الشرق الذي أنهكته الحروب، وأضناه الاضطراب، واستُنزفت قواه بين احتلالٍ متمادٍ، وعدوانٍ متكرر، واختلالٍ إقليمي مزمن، حتى صار الحديث عن الاستقرار فيه أقرب إلى رجاءٍ مؤجل من كونه مشروعًا قائمًا على أسس عادلة راسخة.

ومن هنا، فإن المحاضرة التي قدّمها دولة الدكتور عدنان بدران تحت عنوان «من الهشاشة إلى المنعة في بناء شرق أوسط جديد آمن ومستقر ومستدام» تستحق الوقوف عندها بعين التقدير وعين المساءلة معًا؛ التقدير لأنها ترتفع بالنقاش فوق ضجيج اليومي والعابر، وتذهب إلى سؤال البنية والخلل العميق، والمساءلة لأن قيمة الفكرة لا تكتمل إلا إذا احتملت السؤال الصارم، وواجهت الحقيقة كاملة غير منقوصة، من غير مجاملة للواقع ولا مداراة للسبب الأول.

لقد أصاب الدكتور عدنان بدران في تشخيصه حين قرر أن ما يعتمل في هذه المنطقة ليس حزمة أزمات منفصلة، ولا سلسلة اختناقات طارئة، بل هو تعبير عن هشاشة بنيوية مست الدولة والمجتمع معًا، وضربت في الصميم مقومات الثقة، وكفاءة المؤسسات، ومعنى المواطنة، وقدرة النظام السياسي على حمل أعباء الدولة الحديثة. وهذا، في أصله، تشخيص له وجاهته وقوته، لأن الأمم لا تضعف فقط حين تُهزم في الميدان، بل تضعف أيضًا حين تتآكل في داخلها شرائط الانسجام، وتنحسر عنها هيبة القانون، ويضطرب ميزان العدالة، وتخور فيها إرادة الفعل المنظم الرشيد.

غير أن هذا التشخيص، على قوته، يظل منقوصًا إن لم يبدأ من الحقيقة الكبرى التي لا يجوز إزاحتها عن مركز المشهد، وهي أن الشرق الأوسط لم يبلغ هذا القدر من التمزق والاهتزاز لأن أبناءه وحدهم أخطأوا في إدارة شؤونه، ولا لأن دوله أخفقت في بناء نماذجها الداخلية فحسب، بل لأنه ابتُلي، في قلب جغرافيته وتاريخه، بمشروع استيطاني توسعي لم يقم على الاعتراف بالحق، ولا على مبدأ السلام العادل، بل قام على الإحلال، والاقتلاع، وفرض الأمر الواقع، وتغذية اختلال القوة، ثم مطالبة الآخرين بأن يسلّموا بنتائج الظلم ويطلقوا على ذلك اسم "الاستقرار”.

فليس من النزاهة الفكرية أن يُطلب من المنطقة أن تتأمل هشاشتها مجردة من السياق الذي ولّدها وعمّقها وراكم أسبابها. وليس من الإنصاف التاريخي أن يُعاد ترتيب المأساة على نحو يُخفى الفاعل الأول، ويُبعثر المسؤولية على الجميع بالتساوي، حتى يضيع الفرق بين من بدأ العدوان ومن وُضع في موضع الدفاع، وبين من اغتصب الأرض ومن طُلب منه أن يتكيّف مع اغتصابها، وبين من صادر الحق ومن قيل له: اصبر على ضياع حقك باسم الواقعية السياسية.

لقد ذهب العرب، في مراحل شتى، إلى السياسة لا إلى الحرب، وإلى التفاوض لا إلى الانتحار الجماعي، وإلى البحث عن التسوية لا إلى عبادة الصدام. ذهبوا إلى مدريد، ومضى بعضهم إلى المعاهدات، وقَبِل الفلسطينيون أوسلو، ودخلوا في مسارٍ ظن كثيرون أنه قد يفتح، ولو بعد حين، بابًا إلى الدولة والحقوق والتوازن. ولكن ماذا كانت النتيجة؟ أكان ثمة مشروع إسرائيلي حقيقي للسلام؟ أم كان هناك، في حقيقة الأمر، مشروع لإدارة الوقت، واستهلاك المبادرات، وتوسيع الاستيطان، وإغراق المسار السياسي في التفاصيل، حتى يُستنزف الحق نفسه في متاهات التفاوض، ثم يُقال للعالم إن السلام تعثر لأن العرب لا يريدونه؟

إن التجربة، لا الخطابة، هي التي أجابت. فالاستيطان تمدد، والوقائع فُرضت بالقوة، وفكرة الدولة الفلسطينية جرى طعنها مرة بعد مرة، بل أُعلن رفضها في أكثر من مناسبة بغير مواربة. وهكذا تكشّف، مع مرور الزمن، أن المعضلة لم تكن في غياب المبادرة العربية، ولا في انعدام القابلية الفلسطينية للحل، بل في وجود مشروع إسرائيلي لا يريد من السلام إلا صورته، ولا من التسوية إلا ما يثبت غلبته، ويُبقي الحق العربي والفلسطيني معلقًا إلى أجلٍ لا يراد له أن ينقضي.

ومن هنا، فإن أي حديث عن المنعة لا يجرؤ على تسمية هذا الجذر باسمه، يبقى حديثًا حسن النية، مستقيم المقصد، لكنه لا يبلغ تمام الصرامة التي يفرضها الواقع. ذلك أن المنعة ليست زينة خطابية، ولا مفردة أخلاقية تُستحسن في الندوات ثم تُركن في الأدراج، بل هي مفهوم لا قيمة له إن لم يُبنَ على وضوح في تعريف الخطر، وترتيب للأولويات، وتحديد للفاعل الأول الذي لا يستقيم التشخيص إلا بإبرازه في مركز الصورة.

إن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على أنقاض فلسطين، ولا على إهانة لبنان، ولا على استباحة الجوار العربي كلما أرادت إسرائيل أن تعيد تذكير المنطقة بمنطق التفوق والبطش. وما لم يُفهم هذا الأمر على حقيقته، فإن كل حديث عن بناء شرق أوسط جديد سيظل، في جانب منه، ترديدًا لعبارات منمقة فوق أرض تغلي بالظلم وتئن من اختلال الموازين. فالسلام الذي لا يرد الحق ليس سلامًا، والاستقرار الذي يتأسس على القهر ليس استقرارًا، والأمن الذي يطلب من الضحية أن تنسى جرحها كي يطمئن الجلاد إلى دوام تفوقه، ليس سوى هدنة موقتة في انتظار انفجار جديد.

ولعل من أوضح المواطن التي يختل فيها الفهم السياسي اختزالُ المشهد اللبناني في عناوين سطحية تُقصي التاريخ وتظلم الوقائع. فالقوى المقاتلة التي نشأت في لبنان لم تنزل من فراغ، ولم تولد من عبث نظري، ولا من شهوة مجردة للصراع، بل خرجت من رحم الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ومن بيئة صنعتها الإهانة المباشرة للأرض، والعدوان، والفراغ الذي يخلقه الاحتلال في الوجدان الوطني. نعم، دخلت عوامل إقليمية لاحقة، وجاء الدعم من هنا وهناك، وهذه أمور لا يصح إنكارها، لكن الإنكار الأكبر هو إنكار السبب المؤسس الأول: الاحتلال نفسه. إذ لا يستقيم الفهم إذا أُخفيت العلة الأصلية، ثم جرى تقديم ما تلاها بوصفه منشأ المسألة كلها.

وربما كانت الأردن، بشهادة كثير من الوقائع وبمنظار الدولة الرشيدة، واحدة من أكثر بلدان هذا الإقليم استقرارًا واتزانًا ورسوخًا؛ دولة عرفت كيف تعبر بين العواصف من غير أن تفقد وعيها السياسي، ولا تماسكها المؤسسي، ولا قدرتها على صون كيانها وسط محيط يموج بالحرائق. غير أن استقرار الأردن، على ما له من قيمة وطنية وقومية كبرى، لا يغيّر من حقيقة أشد قسوة، وهي أن إسرائيل ماضية، يومًا بعد يوم، في سلوكها المنحرف والمدمر، تمضي في نهج لا يرى في المنطقة مجالًا للتعايش العادل، بل ساحة مفتوحة لإرادة القوة، ومسرحًا دائمًا لإنتاج التوتر، وتقويض الاستقرار، وتغذية أسباب الانفجار. وعلى هذا، فإن بقاء الأردن ثابتًا لا يعني أن الإقليم بخير، بل يعني فقط أن في هذه الأمة من لا يزال يقاوم العاصفة بعقل الدولة، فيما يواصل المشروع الإسرائيلي تخريب شروط السلام من أصلها.

إن الخطر الأكبر في الخطاب السياسي المعاصر أنه كثيرًا ما يطالب العرب بإثبات حسن نياتهم مرة بعد مرة، بينما لا يطالب إسرائيل إلا بحسن إدارة غلبتها. ويطلب من الفلسطيني أن يخفض سقف حقه، وأن يرضى بالمؤجل والمجزأ والناقص، بينما يُترك الاستيطان حرًا في ابتلاع الأرض، ويُعاد تقديم المعتدي كل مرة في صورة الطرف القلق على أمنه. وما هكذا تُبنى الحقائق، ولا هكذا تُقرأ المآسي، ولا هكذا تُصاغ السياسات التي تحفظ للأمم كرامتها وحقوقها ومكانتها في التاريخ.

إن المنعة التي تحتاجها هذه المنطقة ليست منعة الشعارات، بل منعة الدولة العادلة، والمجتمع المتماسك، والمؤسسة الكفؤة، والاقتصاد المنتج، والتعليم الذي يصنع مواطنًا لا رعية، والقرار السياسي الذي يعرف عدوه من صديقه، ويميّز بين العرض والجوهر، ولا يبيع الحق في سوق الأوهام. نعم، إن الداخل العربي محتاج إلى إصلاح عميق، وإلى مراجعة صارمة، وإلى بناء جديد على قواعد المواطنة والعدالة والانضباط؛ لكن كل ذلك لا يجوز أن يتحول إلى حجاب يحجب الحقيقة الكبرى، ولا إلى ذريعة لتخفيف الوضوح الأخلاقي والسياسي تجاه أصل الخلل القائم في قلب الإقليم.

فالشرق الأوسط لن يعرف منعة حقيقية ما دام الاحتلال قائمًا، وما دام الحق الفلسطيني مؤجلًا أو منكرا، وما دامت إسرائيل تتصرف بمنطق الدولة التي تريد أن تنفرد بالأمن، وتوزع انعدام الأمن على من حولها. ولن تُبنى بيئة مستقرة ما دام المشروع التوسعي يجد في اختلال الموازين فرصة دائمة لتكريس هيمنته وفرض إرادته، ثم دعوة الآخرين إلى التكيف مع نتائج العدوان.

ولذلك، فإن الواجب الفكري والسياسي اليوم ليس أن نُكثر من زخرفة اللغة حول الأمن والاستقرار، بل أن نعيد ترتيب المعادلة كما هي: لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة مع الاحتلال، ولا استقرار مع الاستيطان، ولا منعة إقليمية في ظل مشروع يقوم، في جوهره، على نفي الحقوق العربية والفلسطينية، وعلى إبقاء المنطقة رهينة الخوف والتفوق المسلح والاختلال المقيم.

وهنا، وهنا فقط، يكتسب الحديث عن الانتقال من الهشاشة إلى المنعة معناه الكامل. أما ما دون ذلك، فليس إلا تدويرًا للهشاشة بلغة أفخم، وتسميات أحدث، وعناوين أكثر بريقًا، فيما يبقى الجرح في موضعه، ويبقى العطب في أصله، ويبقى الشرق أسير الدائرة نفسها، مهما تنوعت البلاغات وتبدلت الصياغات.