جودت مناع يكتب: بين المفكر شرابي وواقع اليوم: أزمة الولاء وتحدي التغيير
كتب جودت مناع
عام 1991 التقيت
بالأكاديمي الراحل هشام شرابي في جامعة جورج تاون، حيث شغل منصب بروفيسور فخري
للتاريخ وأستاذ كرسي عمر المختار للثقافة العربية ومؤسس مركز الدراسات العربية
المعاصرة(CCAS) في الجامعة نفسها.
عقب محاضرة لي حول
القضية الفلسطينية في الجامعة. يومها دار بيننا نقاش عميق حول مستقبل القضية
الفلسطينية وأداء منظمة التحرير الفلسطينية، وتوقف شرابي عند مسألة جوهرية: كيف
جرى تهميش المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين وإقصاؤهم عن دورهم الطبيعي في العمل
السياسي والدبلوماسي.
بعد عقود، أجدني أكثر
اقتناعاً بما طرحه ذلك المفكر القادم من يافا المهجرة وانتظر العودة إليها في
بيروت ثم الولايات المتحدة.
فالمشهد الوطني اليوم يكشف أزمة أعمق من مجرد
غياب النخب الثقافية؛ إنه مأزق يتصل بطريقة إنتاج القيادة ذاتها، وبهيمنة الولاءات
الشخصية والتنظيمية على حساب الكفاءة والإنجاز الوطني. وهنا لا أقلل من شأن أحد
لكنني أنتقد ديناميكية اتخذ القرار.
من هنا، لم يعد ممكناً
الاستمرار في تصدّر المشهد الوطني، سراً أو علانية، من دون إفساح المجال أمام الأجيال
المتعاقبة للمشاركة المنظمة والمتدرجة في صناعة القرار.
فالتجديد السياسي ليس
ترفاً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية. كما أن التحرر من النظريات التقليدية الجامدة بات
شرطاً لأي فعل ثوري حقيقي، لأن الإيمان بالقضية وحده لا يكفي حين يتحول العمل
الوطني إلى سباق على النفوذ والمواقع.
المعيار الحقيقي
للقيادة يجب أن يكون القدرة على تحقيق إنجازات تمس حياة الناس وأمنهم وكرامتهم
وحقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى الهدف الأسمى: الحرية.
أما تحويل الطاقات
الشعبية إلى منظومة ولاءات، فإنه يبدد المعنى الوطني ويقود إلى الانقسام والعجز
بما في ذلك دمج السلطات دون معارضة.
التغيير يبدأ من رؤية
واقعية تؤمن بأن الوطن باقٍ، بينما الأفراد عابرون. والديمقراطية، في معناها
الحقيقي، لا يمكن أن تُبنى على التبعية لشخص أو تنظيم أو سلطة، بل على استقلال
الإرادة والمساءلة والمشاركة الحرة فكرياً.
فالشعب الذي يسعى إلى
الحرية مطالب بأن يقدم نموذجاً ديمقراطياً مختلفاً، لا نسخة مشوهة عن واقع
الاحتلال وأزماته وإرجاع أوضاعه الداخلية لاستمرار الاحتلال وتداعياته.
#صورة الراحل البروفيسور هشام شرابي
























