حين يبدأ الجسر اليهودي الأميركي بالتصدّع: إسرائيل وخسارة الحليف الذي لم تتخيّل يومًا فقدانه
بقلم: زياد فرحان المجالي
ليست أخطر أزمات إسرائيل في الولايات المتحدة تلك التي تظهر في ساحات الجامعات، ولا تلك التي تتجلى في التظاهرات أو في تصاعد النقد داخل الإعلام الليبرالي. فهذه جميعًا، على أهميتها، تبقى في نظر المؤسسة الإسرائيلية أعراضًا يمكن احتواؤها أو تأجيل آثارها. أما الخطر الحقيقي، الأكثر عمقًا والأبعد أثرًا، فهو ذاك الذي بدأ يقترب من القلب ذاته: من اليهود الأميركيين، ومن البيئة الاجتماعية والسياسية التي شكّلت لعقود طويلة أحد أهم الجسور الحامية لإسرائيل داخل النظام الأميركي.
هذا هو المعنى الثقيل الذي تكشفه الدراسة الإسرائيلية الأخيرة عن تراجع مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة. فهي لا تتحدث عن هبوط عابر في الشعبية، ولا عن موجة غضب مرتبطة بحرب واحدة، بل عن تحوّل أوسع وأشد خطورة: إسرائيل لم تعد تخسر صورةً إعلامية فحسب، بل بدأت تخسر البنية المعنوية والسياسية التي منحتها لعقود قدرة استثنائية على الاحتماء داخل واشنطن.
لقد اعتادت إسرائيل طويلًا على معادلة مريحة: إذا تراجع تأييدها داخل الحزب الديمقراطي، فإن الجمهوريين يعوّضون هذا التراجع؛ وإذا بردت الحماسة في الأوساط الليبرالية، فإن الإنجيليين والمحافظين واللوبيات التقليدية يظلون هناك لحماية السقف الاستراتيجي للعلاقة. لكن هذه المعادلة نفسها تبدو اليوم في طور الانهيار. فالمؤشرات التي يسردها النص الإسرائيلي تظهر بوضوح أن النظرة السلبية إلى إسرائيل لم تعد حكرًا على اليسار الأميركي، بل أخذت تتسع بين الشباب عمومًا، وبين شرائح جمهورية كانت حتى الأمس القريب تُعد أكثر ثباتًا في دعمها.
غير أن المؤشر الأشد إيلامًا بالنسبة إلى إسرائيل لا يكمن هنا فقط، بل في ما يجري داخل المجتمع اليهودي الأميركي نفسه. فحين تبدأ قطاعات معتبرة من اليهود الأميركيين بمعارضة الحرب على إيران، وتفضيل الدبلوماسية على الخيار العسكري، والتعبير عن القلق من أثر سياسات إسرائيل على موقع اليهود داخل الولايات المتحدة، فإن القضية لا تعود مجرد اختلاف في الرأي، بل تصبح علامة على اهتزاز الرابط الذي طالما اعتُبر شبه بديهي.
الأخطر من ذلك أن جزءًا متزايدًا من اليهود الأميركيين، ولا سيما بين الأجيال الأصغر سنًا، لم يعد يرى إسرائيل بالطريقة التي رأتها بها الأجيال السابقة. لم تعد إسرائيل في وعي هؤلاء مجرد دولة ملاذ أو رمز بقاء تاريخي، بل صارت عند كثيرين دولة تُقاس مثل غيرها من الدول بسلوكها، وبالحروب التي تخوضها، وبالطريقة التي تتعامل بها مع المدنيين، وبمدى احترامها للقانون والمعايير الأخلاقية. وهنا تحديدًا تبدأ المعضلة الإسرائيلية الحقيقية: حين تتراجع الحصانة العاطفية، ويحل محلها ميزان سياسي وأخلاقي أكثر برودة، فإن كثيرًا من المسلمات القديمة يفقد مفعوله.
ولم يكن هذا التحول منفصلًا عن الحروب الأخيرة. فمشاهد غزة، بما حملته من دمار واسع وكلفة إنسانية هائلة، لم تمر في الوعي الأميركي كما أرادت إسرائيل. ثم جاءت الحرب على إيران لتضيف طبقة جديدة من التآكل، لأن الانطباع الذي تسرب إلى قطاع واسع من الأميركيين لم يكن أن إسرائيل تخوض معركتها وحدها، بل أنها تدفع الولايات المتحدة أيضًا إلى التورط في صراع لا يبدو لكثيرين جزءًا من المصلحة الأميركية المباشرة. في مثل هذه اللحظات، لا تعود إسرائيل تُرى فقط كحليف، بل كعبء محتمل، أو كدولة تدفع واشنطن إلى حروبها الخاصة.
هذا الإدراك الجديد لا يقف عند الرأي العام، بل بدأ يتسلل إلى اللغة المؤسسية في الولايات المتحدة. داخل الحزب الديمقراطي ترتفع الأصوات التي تريد ربط المساعدات لإسرائيل بالقانون الأميركي، وتقييد استخدام السلاح، ووضع مسافة أوضح بين دعم إسرائيل وبين دعم حكوماتها المتعاقبة. وحتى داخل الفضاء المحافظ، الذي اعتقدت إسرائيل أنه أكثر أمانًا، لم يعد الإجماع قائمًا كما كان. فالحرب على إيران أظهرت أن قطاعات من اليمين الأميركي الجديد مستعدة لانتقاد إسرائيل علنًا حين تشعر أن أولوياتها تتعارض مع المصالح الأميركية أو تدفع نحو تورط غير مرغوب فيه.
لكن ما يمنح هذه الأزمة طابعها التاريخي ليس فقط اتساع النقد، بل طابعه الجيلي. فالمشكلة الكبرى بالنسبة إلى إسرائيل ليست أن بعض النخب الإعلامية تغيّرت، ولا أن بعض الساسة رفعوا سقف اعتراضهم، بل أن الفئات الأصغر سنًا هي الأكثر ابتعادًا. وهذا يعني أن المسألة لا تخص الحاضر وحده، بل المستقبل أيضًا. فالأجيال التي تنظر اليوم إلى إسرائيل بعين أكثر نقدًا هي نفسها التي ستشغل غدًا مواقع القرار والتحرير والتعليم والتأثير. وحين تخسر دولة ما صورتها لدى الجيل الصاعد، فإنها لا تواجه أزمة رأي عام فقط، بل أزمة زمن.
القلق الإسرائيلي من هذا التحول مفهوم تمامًا. فاليهود الأميركيون لم يكونوا مجرد كتلة انتخابية أو جماعة ضغط، بل كانوا على مدى عقود عنصرًا مركزيًا في تثبيت الشرعية الأخلاقية والسياسية للعلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب. وحين يبدأ هذا الجسر نفسه بالتشقق، تفقد إسرائيل شيئًا أكبر من التأييد التقليدي: تفقد الوسيط الذي كان يشرحها، ويدافع عنها، ويمنحها لغة مقبولة داخل المجتمع الأميركي.
وهنا تكمن المفارقة القاسية. فكلما ذهبت إسرائيل أبعد في استثمار الدعم الرسمي الأميركي القائم، وكلما حاولت تحويل هذه اللحظة السياسية إلى فرصة لبلوغ أهداف قصوى في غزة أو إيران أو لبنان، فإنها قد تربح تكتيكيًا بعض الوقت، لكنها تخسر استراتيجيًا ما هو أهم بكثير: قدرتها على البقاء دولة مفهومة ومقبولة في الوعي الأميركي العام، وفي الوعي اليهودي الأميركي على وجه الخصوص.
لم تعد القضية، إذن، أن إسرائيل تتعرض لنقد متزايد، بل أنها تواجه احتمالًا أكثر خطورة: أن يتراجع داخل أميركا، وداخل اليهود الأميركيين أنفسهم، ذلك الافتراض القديم الذي يقول إن دعمها ثابت مهما تغيرت الحكومات والظروف. وحين يسقط هذا الافتراض، تبدأ مرحلة جديدة تمامًا. مرحلة لا يكون السؤال فيها: كم بقي لإسرائيل من الأصدقاء في واشنطن؟ بل: هل ما زال هناك أساس اجتماعي وأخلاقي وسياسي يكفي لحمايتها كما كان من قبل؟
هذه هي المشكلة التي تخشاها إسرائيل فعلًا. لا لأنها لا تراها، بل لأنها تراها بوضوح أكبر مما تعترف.























