تعمق الأزمة المالية للسلطة بسبب احتجاز أموال "المقاصة" وتراجع الدعم الأوروبي
تتصاعد الضغوط
الاقتصادية على السلطة الفلسطينية، وتتعمق الأزمة المالية التي تعاني منها، عقب
اعلان مالية الاحتلال، عدم تحويل أموال "المقاصة" الخاصة بالشهر الجاري،
في ظل اعتمادها الكبير على هذه الإيرادات كمصدر رئيسي لتمويل نفقاتها.
وبحسب بيان رسمي، فإن
إجمالي أموال المقاصة للشهر الحالي تجاوز 740 مليون شيكل، جرى اقتطاع نحو 590
مليون شيكل منها لتسديد ديون مترتبة على السلطة الفلسطينية لصالح شركة الكهرباء
وشركات المياه والبيئة، إلى جانب مبالغ قالت إسرائيل إنها مخصصة لدعم جهات تصفها
بـ"الإرهابية".
أما المبلغ المتبقي،
فقد تم تجميده لمدة تقارب عاماً كاملاً، ضمن سياسة يتبناها وزير مالية الاحتلال
"بتسلئيل سموتريتش"، تقضي بعدم تحويل أي أموال للسلطة على خلفية مواقفها
السياسية وتحركاتها الدولية.
وتشكل هذه الإيرادات
ما بين 65% إلى 66% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، بمتوسط شهري يتجاوز 255
مليون دولار، ما يجعلها العمود الفقري للمالية العامة الفلسطينية. ويأتي نحو 99%
من هذه الأموال من ضرائب الشراء وضريبة القيمة المضافة المفروضة على السلع
المستوردة، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية، بينما تمثل النسبة المتبقية ضرائب الدخل
على العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
هذا الاعتماد الكبير
على أموال المقاصة يمنح إسرائيل، بحسب خبراء اقتصاديين، أداة ضغط فعالة على القرار
الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يؤكد
المختص في الشأن الاقتصادي شادي حمد أن هذه الأموال تشكل أكثر من 60% من موازنة
السلطة، محذراً من أن غيابها يعني عجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها الأساسية.
ويشير إلى أن التحكم الإسرائيلي بهذه الإيرادات منذ نشأة السلطة مكّنها من استخدام
الملف المالي كورقة ابتزاز سياسي واقتصادي.
ويشدد على ضرورة
البحث عن بدائل استراتيجية، من بينها تمكين الفلسطينيين من جباية أموالهم بأنفسهم،
بما يحد من التبعية الاقتصادية ويقود تدريجياً إلى فك الارتباط مع بروتوكول باريس.
من جهته، يحذر أستاذ
العلوم المالية والاقتصادية نصر عبد الكريم من التداعيات الخطيرة لاستمرار احتجاز
أموال المقاصة، واصفاً إياها بـ"الحلقة الأكثر إيلاماً" في منظومة
السيطرة الاقتصادية الإسرائيلية.
ويؤكد أن احتجاز هذه
الأموال، سواء بشكل جزئي خلال السنوات الماضية أو بشكل شبه كامل في الأشهر
الأخيرة، أدى إلى شلل مالي واضح داخل مؤسسات السلطة.
وأوضح عبد الكريم أن
هذا الشلل انعكس في تأخر صرف رواتب الموظفين، وتراكم المستحقات على الحكومة لصالح
القطاع الخاص، إلى جانب تراجع القدرة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
كما أسهمت هذه الأزمة
في ارتفاع الدين العام إلى نحو 46 مليار شيكل، ما زاد من الأعباء الاقتصادية على
مختلف الفئات.
انعكاسات
خطيرة
وتبرز أزمة الرواتب
كأحد أخطر تداعيات احتجاز أموال المقاصة، إذ تعاني السلطة الفلسطينية منذ أواخر
عام 2021 من صعوبات حادة في دفع رواتب موظفيها، حيث يتم صرف ما بين 50% إلى 60%
فقط من قيمة الرواتب الشهرية، نتيجة العجز المالي وتراجع الدعم الخارجي.
وأدى هذا الواقع إلى
انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة، حيث تراجعت القدرة الشرائية للأسر بشكل ملحوظ،
ما تسبب في ركود الأسواق وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
كما تأثرت قطاعات
حيوية، مثل الصحة والتعليم، نتيجة تأخر المستحقات وضعف الإنفاق الحكومي.
وعلى الصعيد
الاجتماعي، فاقمت الأزمة من الضغوط المعيشية على شريحة واسعة من الموظفين الذين
تعتمد عائلاتهم بشكل أساسي على الرواتب الحكومية، ما أدى إلى ارتفاع مستويات
الديون وتزايد القلق بشأن الاستقرار المالي.
في المحصلة، تكشف
أزمة أموال المقاصة عن عمق التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني، في
ظل استمرار التبعية المالية لإسرائيل، وغياب البدائل الفعالة.
ومع استمرار سياسة
الاقتطاع والتجميد، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم، ما يضع السلطة الفلسطينية
أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على الصمود المالي وضمان الحد الأدنى من الاستقرار
الاقتصادي والمعيشي.

























