بين تسمم المؤسسات ووهم البناء.. هل الدولة مشروع مؤقت؟
كتبت شيرين قسوس
الأردن لا ينقصه الذكاء
ولا الرجال ولا الإمكانيات، لكنه يعيش منذ سنوات داخل دوامة إدارة مرهقة تستهلك
الدولة أكثر مما تبنيها. الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها إن جزءاً كبيراً من أزمات
البلد لم تصنعه الجغرافيا ولا الظروف الإقليمية، بل صنعته عقلية إدارية مرتبكة تتعامل
مع الدولة وكأنها مشروع مؤقت لا وطن يجب أن يُبنى بعقل طويل النفس. المشكلة ليست
في قلة الخطط، بل في كثرة الخطط التي تولد ميتة، تُعلن أمام الكاميرات بحماسة ثم
تُدفن في الأدراج لأن لا أحد يعرف كيف تُنفذ، ولا أحد يُحاسب حين تفشل.
المؤسسات في كثير من
الأحيان تعمل بلا بوصلة حقيقية. القرارات تُتخذ بسرعة، ثم تُعدل بسرعة أكبر،
والمشاريع تبدأ قبل أن تُستكمل دراساتها، والوقت يُهدر بطريقة تكاد تكون جريمة
إدارية مكتملة الأركان. لا توجد ثقافة تحترم الزمن كقيمة وطنية، لذلك تتحول
المشاريع الصغيرة إلى سنوات من التأخير، وتتحول الميزانيات إلى نزيف مفتوح بسبب
سوء التقدير والتخطيط. في الدول الحية، الدقيقة تساوي مالاً وإنتاجاً وهيبة دولة،
أما حين يُدار الوقت بعقلية الارتجال فإن الفوضى تصبح أسلوب حكم غير معلن.
الأخطر من ذلك أن
كثيراً من المسؤوليات لا تُمنح وفق التدرج المهني الطبيعي، بل وفق الحسابات الضيقة
والعلاقات والمجاملات. يُدفع بأشخاص إلى مواقع حساسة قبل أن يفهموا طبيعة الأرض
التي يقفون عليها، فتخرج القرارات مرتبكة، متناقضة، وأحياناً منفصلة تماماً عن
الواقع. الدولة لا تُدار بالصدف، ولا بالمظاهر، ولا بالأسماء اللامعة على الورق.
الدولة تحتاج إلى رجال دولة حقيقيين صعدوا من الميدان، واصطدموا بالمشكلات، وفهموا
تفاصيل المؤسسات قبل أن يجلسوا خلف المكاتب المكيفة.
ثم تأتي الفوضى
الإدارية التي يلمسها المواطن يومياً وكأنها جزء من المشهد الطبيعي. شارع يُعبد
اليوم ثم يُحفر غداً لأن مؤسسة لم تنسق مع أخرى، ومشروع يبدأ دون جدول زمني واضح،
وخدمات تتعطل لأن كل جهة تلقي اللوم على غيرها. لا أحد يعرف من المسؤول الحقيقي،
لأن المسؤولية نفسها ضائعة داخل متاهة الصلاحيات المتداخلة. الدولة الحديثة تُبنى
على توزيع احترافي للمهام، على رزنامة دقيقة، على مواعيد تُحترم، وعلى مؤسسات تعرف
تماماً ماذا تفعل ومتى تنتهي ومن يُحاسب إذا فشلت.
كما أن البيروقراطية
تحولت إلى آلة طحن يومية تستنزف المواطن والمستثمر معاً. المواطن يضيع من عمره بين
المكاتب والأختام والتواقيع، والمستثمر يهرب لأن القرار البطيء أخطر من أي ضريبة.
المشكلة لم تعد في نقص الفرص، بل في بيئة إدارية تقتل الفرصة قبل أن تولد. والأسوأ
أن الكفاءة في كثير من الأحيان لم تعد الطريق الأسرع للتقدم، بل أصبحت العلاقات
والوساطات قادرة على سحق سنوات من الاجتهاد والخبرة، وهذا أخطر تسمم يمكن أن يصيب
أي دولة، لأن الشعوب تنهار يوم تفقد إيمانها بأن التعب الشريف له قيمة.
ولا يمكن الحديث عن
إنقاذ حقيقي دون فتح ملف الفساد بكل جرأة، لا كشعار سياسي موسمي، بل كمعركة يومية
داخل كل مؤسسة. المطلوب أن تتحول هيئة مكافحة الفساد إلى جهاز رقابي حقيقي يعمل
بعقلية البحث الجنائي، لا أن تبقى مجرد محطة تستقبل الملفات بعد وقوع الكارثة. يجب
نشر عناصر رقابية متخصصة داخل مختلف القطاعات والمؤسسات، تراقب الأداء، وتفتح
السجلات، وتتابع العطاءات، وتدقق في حركة المال والقرارات الإدارية بشكل دائم.
المسؤول يجب أن يشعر أن هناك عيناً تراقب كل توقيع وكل تأخير وكل استغلال نفوذ،
لأن غياب الرقابة الحقيقية هو البيئة المثالية لنمو الفساد بصمت حتى يتحول إلى
ثقافة عامة.
الإصلاح الحقيقي لا
يبدأ من المؤتمرات ولا من الشعارات الرنانة، بل من إعادة بناء عقل الدولة نفسه.
المطلوب إدارة تؤمن بالكفاءة لا بالمجاملة، بالمحاسبة لا بالتبرير، بالتخطيط لا
بردّات الفعل. المطلوب مؤسسات تتحرك كجسد واحد لا كجزر معزولة تتصارع على النفوذ
والصلاحيات. المطلوب أن يصبح احترام الوقت والانضباط والإنجاز جزءاً من الهوية
الوطنية، لا مجرد نصوص تُكتب في التقارير السنوية.
أما المدينة الفاضلة التي
يستحقها الأردن، فهي ليست مدينة مبهورة بالأبراج الزجاجية فقط، بل مدينة ذكية،
عادلة، نظيفة، سريعة، وإنسانية. مدينة يتحرك فيها النقل العام بدقة، وتُدار
خدماتها بالتكنولوجيا، وتُختصر فيها المعاملات بدقائق لا بأيام، وتُزرع فيها
الأشجار أكثر مما تُزرع الحواجز الإسمنتية. مدينة يشعر فيها المواطن أن كرامته
مصانة ووقته محترم وصوته مسموع. مدينة لا تُبنى على الفوضى وردّات الفعل، بل على
العلم والانضباط والشفافية. عندها فقط يمكن للأردن أن يتحول من دولة تطارد الأزمات
كل صباح إلى دولة تصنع المستقبل بثقة، وتفرض احترامها لأنها عرفت أخيراً كيف تدير
نفسها بعقل الدولة لا بعشوائية المرحلة.
























