في الذكرى الـ 25 لرحيل المناضل فيصل الحسيني .. الخالد فينا أبداً
كتب: جودت مناع
عندما أتأمل في ذاكرة
القدس، وأنا أمشي في شوارعها وأزقتها وعقباتها، أتوقف أمام واجهات بيوتها العتيقة
التي ما زالت تحتفظ بصفحات من تاريخ لا يمحوه الزمن.
وأعبر شارع صلاح الدين،
حيث يقع "بيت الشرق" على مقربة منه، فأقف قليلاً لأستحضر ذكريات مجيدة
مع القائد الوطني الفذ فيصل عبد القادر الحسيني، وأبحث عن الزمن الجميل خلف بوابة
مغلقة شهدت صناعة القرار الفلسطيني في مرحلة مهمة من التاريخ المعاصر لكفاح الشعب
الفلسطيني.
استطاع فيصل الحسيني،
بهمته وكفاحه، أن يدافع عن الوجود الفلسطيني في القدس وأكنافها، وأن يحافظ على
روافده التعليمية والثقافية والنضالية. وكان رهانه الأكبر دائماً على المشروع
الوطني الفلسطيني، الذي كرّس له حياته قبل إغلاق بيت الشرق وبعده.
وفي الذكرى الخامسة
والعشرين لرحيله، أتساءل: هل كان رحيل فيصل الحسيني نهاية؟
في نظر أبناء القدس
خاصة، وفلسطين عموماً، بالتأكيد لا. فالموت محطة قدرية تحكمها إرادة الله وحده،
أما المناضلون الحقيقيون فيبقون بأثرهم وسيرتهم ومواقفهم. لقد رحل فيصل الحسيني
جسداً، لكنه لم يأخذ معه حياته النضالية. كان اسماً كبيراً ملأ زمانه حضوراً
ونضالاً ومواقف وطنية لا تزال حاضرة في ذاكرة رفاقه ومحبيه.
وعلى عكس كثير مما يحدث
حولنا، يبقى النضال هو الأبقى، لأنه يمنح الوطن شرف الاستمرار ويتجاوز الأفراد
مهما علت مكانتهم. وما يضمن ذلك هو انخراط الأجيال المتعاقبة في مسيرة النضال
المتجدد، وكشف المزيد من المحطات الكفاحية التي صنعت تاريخ الشعب الفلسطيني. فهذه
الحيوية تخلق حواراً دائماً بين تجارب الأجيال السابقة وتطلعات الأجيال الجديدة،
بما يضمن استمرارية القضية والثورة.
ولا يتسع العمر لتقاسم
كل المعاناة، فأبطال الحياة يرحلون أيضاً. لكنهم لا يغيبون إلا قليلاً، لأن صلابة
مواقفهم وعمق تضحياتهم تبقى شاهدة على أنهم مروا من هنا وتركوا وراءهم أثراً لا
يُمحى وفراغاً يصعب ملؤه.
لم يكن فيصل الحسيني
مناضلاً خلافياً، بل كان هادئاً في طبعه، حاسماً في مواقفه، متحركاً في الميدان.
وببساطة القادة الكبار، كان قادراً على جمع الناس وتوحيدهم رغم اختلاف انتماءاتهم.
ومن خلال عضويته في حركة "فتح"، إلى جانب رفاقه المخلصين، خاض مواجهات
يومية طويلة وشاقة في مسيرة نضالية متعددة المراحل.
ومن مركز الدراسات
العربية والأبحاث، ومركز الخرائط، واللقاءات القيادية، والجولات التضامنية التي
تجاوزت حدود القدس لمواساة ضحايا الاحتلال وفضح جرائمه، شق فيصل الحسيني طريقه
مناضلاً دمث الأخلاق، قريباً من أبناء شعبه، مؤمناً بقضيته ووطنه. وكان، شأنه شأن
جيل فلسطيني كامل، يرى أن ما تعرضت له حركة التحرير الوطني الفلسطيني من انتكاسات
لم يكن سوى حالة عابرة، لا خللاً في جوهر المشروع الوطني.
لقد كان فيصل الحسيني
أكبر من كل ذلك. فقد ظلت سيرته النضالية، منذ بداياتها وحتى رحيله، حاضرة في الوعي
الوطني الفلسطيني، بدءاً من تجربة بيت الشرق وانتهاءً بجنازته المهيبة ومواراة
جثمانه الثرى في رحاب المسجد الأقصى المبارك.
وكأنه، وهو يضع خطط
عمله اليومي تحت وطأة المسؤوليات الجسيمة، كان يضيء الطريق لشعب كامل، في زمن
أخفقت فيه أنظمة كثيرة في الوفاء بمواعيدها مع التاريخ، وارتضى فيه البعض الارتهان
للمصالح الشخصية الضيقة.
وهكذا ترك الحسيني
وراءه إرثاً وطنياً مشرفاً يتطلب التوقف عند محطاته، ومراجعته بموضوعية،
والاستفادة من دروسه. فقد ظل حتى أيامه الأخيرة مؤمناً بالشراكة الوطنية، ومدافعاً
عنها بكل ما تطلبه ذلك من تضحيات ومواقف.
وفي جلسة عشاء جمعتني
بأحد أبناء عائلة صديقة، وكان ضابطاً في أمن الدولة الكويتي، في فندق
"شيراتون" بالفروانية، فاجأني بقوله إن فيصل الحسيني كان مقيماً في
الفندق ذاته أثناء زيارته الرسمية للكويت، وإنه كان يشرف شخصياً على أمنه. وروى لي
كيف عثروا عليه متوفياً في غرفته.
سألته: هل أنت متأكد
مما تقول؟
فأجاب مؤكداً صحة
الرواية، في محاولة لدحض الشائعات التي راجت آنذاك حول ظروف وفاته.
وقبل رحيل شقيقه
المناضل غازي الحسيني، أخبرته بما دار في ذلك الحديث، فروى لي رواية أخرى مفادها
أن جهاز الموساد الإسرائيلي تسلل إلى غرفة فيصل الحسيني في أحد الفنادق ببيروت،
واستبدل معجون أسنانه بآخر مسمم.
وقال أبو منصور إن
علامات حمراء ظهرت على لثته وفمه قبل سفره إلى الكويت، وإنه نصحه بإلغاء الرحلة
حتى يتعافى، لكنه أصر على السفر إيماناً منه بأهمية المهمة التي كان يؤديها من أجل
تعزيز العلاقات الفلسطينية الكويتية بعد سنوات من الفتور الذي أعقب الغزو العراقي
للكويت.
وفي مناسبة أخرى
جمعتنا، أثناء عملي محاضراً في قسم الصحافة بجامعة بيت لحم، دعوته إلى مؤتمر صحفي
في الجامعة ليتحدث إلى الطلبة عن الاستيطان الإسرائيلي في القدس المحتلة. وكانت
فرصة ثمينة للطلبة والصحفيين معاً أن يستمعوا مباشرة إلى أحد أبرز رموز النضال
الفلسطيني.
لبّى فيصل الحسيني
الدعوة، وكان يوماً مميزاً ترك أثراً كبيراً في نفوس الطلبة، الذين وجدوا أنفسهم
أمام شخصية نضالية استثنائية تنقل تجربتها مباشرة إلى الجيل الجديد.
وفي مناسبة أخرى نسقت
معه لقاءً صحفياً خاصاً في منزله بحي الصوانة لصالح صحيفة "عكاظ"، التي
عملت مراسلاً لها بعد مشاركتي في تغطية مؤتمر مدريد للسلام ومرافقة الوفد الأردني
الفلسطيني آنذاك.
ولدى وصولي إلى المنزل،
أطل الراحل فيصل الحسيني مبتسماً من إحدى الغرف المطلة على صالة الضيوف، ثم تقدم
نحوي وصافحني قائلاً: "كنت أتوقع أن أرى جودت مرتدياً الزي السعودي التقليدي:
الدشداشة والغترة والعقال". فضحكنا معاً من قلبنا.
أن تكون مناضلاً
حقيقياً، فهذا يعني أن يمنحك التاريخ فرصة استثنائية لا تُمنح للكثيرين، ولذلك
تصبح المسؤولية عظيمة وثقيلة. وقد رحل ابن القدس تاركاً وراءه فراغاً كبيراً، لكن
فيصل الحسيني ظل علامة وطنية بارزة تذكرنا دائماً بأن الجيل المؤسس ما زال حاضراً
في الوجدان الفلسطيني، لا كتاريخ فحسب، بل كحالة نضالية متجددة.
وأذكر أيضاً أن صحفياً
يابانياً كان يعمل في صحيفة "طوكيو تايمز"، ورافقته في تغطية الأحداث في
فلسطين المحتلة، أخبرني أن تقريراً كتبه عن الواقع الفلسطيني أثار احتجاجاً رسمياً
من السفارة الإسرائيلية في اليابان. إلا أن الصحيفة رفضت الضغوط وتمسكت بموقفها
المهني.
وبعد خروجي من المعتقل
بأشهر، أخبرني الصحفي ذاته أنه نجح في ترتيب زيارة لرئيس الوزراء الياباني إلى
فلسطين. فنقلت الأمر إلى "أبي العبد"، وأبلغته برغبة الصحفي في تضمين
مخيم الدهيشة للاجئين ضمن برنامج الزيارة، فرحب بالفكرة.
وخلال الزيارة رافقت
الوفد الياباني، وقدّم رئيس الوزراء آنذاك دعماً مالياً بلغ 300 ألف دولار أمريكي
لإنشاء مركز تدريب في المخيم عبر وكالة الأونروا، وقد تحقق ذلك بالفعل.
وفي ذروة الجهود
الدولية لتحقيق السلام بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، اتصل بي الراحل فيصل
الحسيني ليبلغني بتكليف تشرفت به، وهو تشكيل وفد من الصحفيين الفلسطينيين لمرافقة
الوفد الأردني الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد للسلام.
وعندما أخبرته بأن معظم
الصحفيين ممنوعون من السفر، أكد لي أن الاتفاق المبرم مع الولايات المتحدة يضمن
حرية تنقل المشاركين، وهو ما تحقق بالفعل.
وفي الذكرى الخامسة
والعشرين لرحيله، تجدد أجيال فلسطين المتعاقبة العهد للمناضل الراحل فيصل الحسيني،
الراقد في ثرى المسجد الأقصى المبارك، وتمضي قدماً في الدفاع عن القدس وصون هويتها
الوطنية حتى نيل الحرية.
الرحمة والسلام لروح
المناضل فيصل عبد القادر الحسيني، الخالد في وجداننا أبداً.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























