شريط الأخبار
ارتفاع طفيف على الحرارة وطقس معتدل اليوم وفاة 3 اشخاص بحادث تصادم في اربد "الدولية للدفاع عن القدس" تدعو للتصدي لمخطط امريكي اسرائيلي لسحب ولاية الاردن عن الأقصى ميدل ايست آي البريطاني: أمريكا وإسرائيل تعملان على تجريد الأردن من الوصاية على المسجد الأقصى أين هي مشاهد “الخلاعة” التي يتحدثون عنها في حفل البتراء؟ في الذكرى الـ 25 لرحيل المناضل فيصل الحسيني .. الخالد فينا أبداً البتراء بين الاحتفال والجدل ترامب المتقلب يتجاوز الاتفاق الاولي مع ايران ويضع شروطا جديدة.. فهل تقبل طهران؟! رئيس الوزراء يفتتح 6 مصانع لشركة "جينشينج" الدوليَّة في القطرانة عشيرة المعابرة تستنكر اعتداءً على أحد أبنائها داخل مطعم في إربد مؤسسة الحسين للسرطان تطلق حملة توعوية ضد التدخين خطة مرورية مكثفة تنهي عطلة عيد الاضحى بسلام في الاردن تفاصيل حادثة الشونة الشمالية: اصابات اثر حريق شاليه في اربد بلدية الطيبة تدعو أصحاب حظائر الأضاحي لإزالة المخلفات وتنظيف المواقع وفيات الأحد 31-05-2026 3905 أطنان من الخضار ترد السوق المركزي اليوم فريق الاتحاد بصدارة دوري الشابات لكرة القدم عقل يرجح رفع سعر البنزين 90 بمقدار 6 قروش والديزل 7 عيار 21 عند 92.3 ديناراً.. أسعار الذهب اليوم في السوق المحلية أجواء معتدلة في معظم المناطق وارتفاع الحرارة بالأغوار والعقبة

في الذكرى الـ 25 لرحيل المناضل فيصل الحسيني .. الخالد فينا أبداً

في الذكرى الـ 25 لرحيل المناضل فيصل الحسيني .. الخالد فينا أبداً


كتب: جودت مناع

 

عندما أتأمل في ذاكرة القدس مشياً في شوارعها وعقباتها. أتوقف أمام واجهات بيوتها العتيقة بحلة قديمة تحتفظ بصفحات تاريخ لا ينمحي

وأعبر شارع صلاح الدين حيث يقع بيت الشرق على بعد مسافة قريبة منه. أتوقف قليلاً لأتلو ذكريات مجيدة مع القائد الفذ فيصل عبد القادر الحسيني، وفي البحث عن الزمن الضائع خلف بوابة مغلقة شهدت صناعة القرار الفلسطيني في التاريخ المعاصر لكفاح الشعب الفلسطيني

استطاع فيصل الحسيني بهمته وكفاحه الدفاع عن الوجود الفلسطيني في مدينة القدس وأكنافها بروافده التعليمية والثقافية والكفاحية وكان رهانه الكبير وطنيا وكل شيئ في حياته قبل وبعد أن يغلق بيت الشرق في حياته.

وفي الذكرى الـ (24) لرحيله أتساءل: هل رحيل الحسيني كان نهاية؟ 

في نظر أبناء القدس خاصة وفلسطين عموماً، طبعا لا، الموت مجرد حالة شمولية موقوتة بعلم الله وإرادته في الزمن والمكان. لقد رحل فيصل الحسيني ولم يحمل حياته معه. إسم كبير ملأ زمانه صخبا ونضالاً ومواقف وطنية يتذكرها رفاق دربه في كل يوم.

وعلى العكس مما يحدث في حولنا بحيث يظل النضال هو الأبقى ليدثر شرف الوطن متجاوزاً صاحبه في كل شيء حتى في القدرة الاستثنائية على الاستمرار. أعتقد أن الذي يضمن ذلك هو انخراط الأجيال المتعاقبة الشابة في الثورات المتجددة التي لا تتوقف أبداً وإسدال الستائر السرية عن كثير من المحطات الكفاحية. هذه الحيوية تضع أسئلة الأجيال السابقة في مواجهة إرباك الأجيال الجديدة، مما يضمن الاستمرارية في الثورة

ولا يتسع الزمن لتقاسم معاناة الحياة وأبطالها يموتون أيضاً. في النهاية هم لا يموتون إلا قليلاً، لأن صلابة مواقفهم وخلود تحدياتهم تظل تذكرنا بأن مناضلا كبيراً كان هنا وانسحب تاركاً وراءه فراغاً مؤلماً.

لم يكن فيصل الحسيني مناضلا خلافيا بل كان هادئا ومتحركاً. ببساطة، كان جامعاً لغير انتماء لحركة "فتح" كغيره من القادة المخلصين، بكبر المواجهات اليومية التي نظموها في مسيرة نضال شاقة ومتنوعة المراحل.

من مركز الدراسات العربية والأبحاث ومركز الخرائط واللقاءات القيادية والجولات التضامنية التي تجاوزت حدود القدس لمواساة ضحايا بطش الاحتلال وجرائمه. كان فيصل الأب لحفيد جده عبد القادر الحسيني يشق طريق مناضل دمث الأخلاق بين أبناء شعبه، ارتبط بوطنه وبقضايا حركة التحرير الوطني "فتح" مثله مثل جيل فلسطيني بكامله ظل مقتنعا بأن ما كان يحدث من انكسارات في عمق المؤسسة الفتحاوية ليس إلا حالة طارئة وليس خللاً هيكلياً في الثورة العميقة.

لقد كان الحسيني المناضل أكبر من ذلك كله، فقد ظلت سيرته النضالية، من بداياتها حتى في حالاتها الفردية بدءاً من تجربة بيت الشرق وانتهاء بمراسم جنازته ومواراة جسده في مأواه الأخير برحاب الأقصى المبارك.

وكأن الجسيني وهو يضع خطط كفاحه اليومي تحت وطأة المسؤوليات الجسيمة يضيئ الطريق الخفية بسطوع الشمس لشعب بكامله بعد إخفاق أنظمة خسرت في مجملها موعدها مع التاريخ، وعلى بعض من أشخاص لا رهان لهم إلا رهان المصالح الذاتية الضيقة.

وهكذا ترك الحسيني وراءه تاريخاً وطنياً مشرفاً ضحماً يتطلب التوقف عند مراحله ومراجعته بموضوعية والعمل الجاد لاستنهاض التجربة. فقد ظل إلى آخر أيامه مقتنعاً بجدوى الشراكة بالمشروع الوطني ودافع عنه باستماتة مع كل ما يمكن أن يتركه من تضحيات وردود فعل

في جلسة على مأدبة عشاء مع أحد أبناء عائلة صديقة كان ضابطاً في أمن الدولة الكويتي في فناء إقامته بفندق "شيراتون" في الفروانية  فاجأني بأن فيصل الحسيني كان مقيما في هذا الفندق وكان ذاك الضابط يشرف بنفسه على أمن الحسيني خلال زيارته الرسمية في الكويت. سرد لي الضابط كيف عثروا عليه متوفياً في غرفته.

سألت الضابط: هل أنت متأكد مما تقوله؟ أجاب مؤكداً لي صدق الرواية ليدحض شكوكاً راجت حول ظروف وفاته.

وقبل رحيل شقيقة المناضل غازي الحسني أخبرته بفحوى الحديث مع ضابط الأمن الكويتي في تلك الليلة. وروى لي أن الموساد الإسرائيلي تسلل إلى غرفة فيصل في فندق في بيروت واستبدل معجون أسنانه بأخر مسمم.

وينسل "أبا منصور" خيوط الجريمة: "قبل سفره من لبنان إلى الكويت. أنذاك، بان على لثة أسنانه وفمه بقعاً حمراء أسديت النصح له بأن يلغي زيارته إلى الكويت إلى أن يتعافى من التهابات أصابته بعد استخدام معجون الأسنان المسمم إلا أنه أصر على القيام بتلك الرحلة لتحقيق مصالح كويتية - فلسطينية مشتركة بعد العلاقات الباردة التي شابت حمى الصداقة التاريخية المميزة بين البلدين بعد الاحتلال العراقي للكويت. "

وفي مناسبة جمعتنا معاً إبان عملي محاضرا في قسم الصحافة بجامعة بيت لحم دعوته إلى مؤتمر صحفي يعقده في الجامعة كي يطلع طلبة الصحافة على تفاصيل الاستيطان الصهيوني في القدس المحتلة. كانت تلك فرصة للطلبة وللصحفيين معاٍ أن يكون "أبا العبد" بيننا في الجامعة، وحظ استثنائي؛ إذ نادراً ما نجد رمزا كفاحياً على قيد الحياة، نسأله في مؤتمر صحفي ونستمع إليه. مواقفه وتجربته النضالية في مناهضة الاستيطان في المدينة المقدسة منحته هذه الخاصية التي لا تمنح لكل الناس. لبى فيصل دعوتي له للمشاركة في المؤتمر الصحفي. كان يوما عملياً مميزا لطلبة الصحافة في جامعة بيت لحم

وفي قصة أخرى نسقت معه لقاءأ في منزله الكائن في طلعة الصوانة لإجراء لقاء صحفي خاص بصحيفة عكاظ التي عملت بها مراسلاُ منذ لقائي برئيس تحريرها الأستاذ أيمن حبيب إبان انعقاد مؤتمر مدريد حيث كلفت بمهمة إعلامية بمرافقة الوفد الأردني – الفلسطيني آنذاك. لدى وصولي المنزل أطل الراحل فيصل مبتسماَ من غرفة مقابلة لصالة الضيوف. تقدم نحوي وصافحني وقال: توقعت أن ألتقي جودت بثياب سعودية تقليدية " دشداشة وغطرة واعقال". ضحكنا معاً بصوت على غير العادة.

أن تكون مناضلاً ذلك يعني أن يمنحك التاريخ فرصة استثنائيةً لا تمنح لغيرك، ولهذا تصبح المسؤولية في غاية العظمة. رحل ابن القدس تاركاً وراءه فراغاً شاقاً، لكن فيصل الحسيني ظل علامة تذكرنا دائماً بأن الجيل المؤسس لا يزال مستمراً لا كتاريخ فقط، ولكن كحالة ثورية متجددة أيضاً.

غير مناسبة جمعتني بفيصل أذكر منها أيضا عندما أخبرني صحفي ياباني يعمل في صحيفة "طوكيو تايم" رافقته بتغطية الأحداث في فلسطين المحتلة وكتب تقريراً مهماً بعثت السفارة الإسرائيلية في اليابان احتجاجاً رسميا على تقرير نشرته الصحيفة التي رفضت الاستجابة لطلب السفارة بإرسال الصحفي مرة أخرى إلى فلسطين لكتابة تقرير صحفي آخر لكنها رفضت الطلب.

الصحفي ذاته أخبرني بذلك بعد خروجي من المعتقل بعد أشهر وأخبرني بأنه رتب مع رئيس الوزراء الياباني لزيارة فلسطين. أخبرت "أبا العبد" بذلك ونقلت له رغبة الصحفي الياباني بترتيب زيارة رئيس الوزراء الياباني إلى مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين على جدول الزيارة فرحب فيصل بذلك. خلال تلك الزيارة رافقت الضيف والوفد المرافق له وقد قدم مبلغ 300 ألف $ أمريكي لبناء مركز تدريب في المخيم بواسطة الأورنروا" وقد تم ذلك بالفعل.

وفي أوج المساعي الدولية للسلام بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى اتصل بي الراحل ليبلغني تكليفاً تشرفت به لتشكيل وفد من الصحفيين الفلسطينيين ليرافق الوفد الأردني الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد للسلام. وعندما أخبرته بأن غالبية الصحفيين ممنوعون من السفر أخبرني بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة يقضي بالسماح لكل من سيشارك بحرية السفر وقد تم ذلك بالفعل.

في الذكرى الـ ٢٥ تجدد أجيال فلسطين المتعاقبة العهد للمناضل الراحل فيصل الحسيني في مأواه الأخير بفناء المسجد الأقصى المبارك وتمضي قدماً للدفاع عن القدس حتى التحرير

الرحمة والسلام لروح المناضل فيصل عبد القادر الحسيني الخالد فينا أبداً.

 

*جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني