الصوت والصدى (4)
أثير الوهم.. كيف تعزل الدعاية الشعوب عن الواقع؟
د حيدر البستنجي
حاولت في المقال
السابق، تفكيك آليات الدعاية السياسية وكيف تُصنع الروايات الموجهة للتلاعب بعواطف
المتلقي. ولكن، هل يمكن للدعاية أن تصل إلى حد عزل أمة بأكملها عن واقعها الميداني
الصلب؟ التاريخ يعلمنا أن الإعلام عندما يتحول من أداة لنقل الخبر والحقائق إلى
مصنع لإنتاج الأوهام، فإنه يخلق فجوة مرعبة بين ما يحدث على الأرض، وبين ما يستقر
في وعي الشعوب. إنها اللحظة الكارثية التي يتفوق فيها "الصدى المصنوع"
على "الصوت الحقيقي" للواقع. اللحظة التي تسبق الكارثة وتغطي عليها
والتاريخ العربي حافل بالأمثلة التي لا يزال بعضها ماثلا امامنا.لنتذكر
جميعا الدرس القاسي والمفصلي في حياتنا جميعا والخازوق الذي مر
عبر التغطية الإعلامية لنكسة 5 يونيو/حزيران 1967. في ذلك اليوم، وبينما كان
الطيران الإسرائيلي يدمّر سلاح الجو العربي على الأرض ويحتل سيناء والضفة الغربية
ومرتفعات الجولان، كانت الجماهير من المحيط إلى الخليج تسمع عبر أثير إذاعة
"صوت العرب"، وبصوت المذيع الشهير أحمد سعيد، بيانات عسكرية حماسية تُبث
على مدار الساعة تؤكد إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية والاقتراب من النصر الساحق
والزحف نحو تل أبيب.
عاشت الشعوب لساعات، بل
لأيام طويلة، تحت تأثير مخدر الأمل القومي الزائف، منفصلة تماماً عن أبسط الحقائق
الميدانية. لقد كان هذا المثال التاريخي نموذجاً دقيقاً ومأساوياً لكيفية عزل
الإعلام الموجه للمتلقي عن معطيات العقل والمعلومات الصلبة، لحساب انتصارات شفهية
ومعارك بلاغية لا وجود لها إلا في غرف البث الإذاعي.والمصيبة ان الحدث يتكرر مرارا
وتكرارا دون ان يستقيظ الجمهور العربي الذي صفق لرؤية وجه صدام على القمر وتحدث
بفخر عن انتصارات الطوفان الذي نكب الشعب الفلسطيني بأكثر من سبعين الف شهيد غير
عشرات الالوف من الجرحى والدمار الشامل لغزة ولا مجال لحصر كارثة غزة دون الحديث
عن خطابات النصر المؤزر والغيبوبة التي تصاحب التغطية الإعلامية لهذه الكارثة.
يمكن اعتبار ما حدث في
حزيران 1967 وكذلك نكبة الطوفان من منظور علم الاجتماع بانها التجسيد المبكر
والمكثف المحاكاة الفائقة والذي وصفة الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في تلك اللحظة
التاريخية وقت النكسة او الان في ما بعد الطوفان ، لم يكن بيان إذاعة صوت
العرب وقتها او نشرات الفضائيات الموجهة والسوشيال ميديا حاليا ، ينقل
واقعاً مشوهاً فحسب، بل شيد "واقعاً بديلًا وموازياً" بالكامل. بالنسبة
للمواطن العربي المتلقي البعيد ، كان الواقع هو الطائرات التي تسقط في الخطابات
والإنجازات الوهمية ، وليس الأراضي التي تُحتل والأرواح التي تزهق في
الحقيقة.
وعندما انقشع الغبار
وتكشفت فاجعة الهزيمة الميدانية، لم تكن الصدمة مجرد خسارة عسكرية؛ بل كانت
"صدمة معرفية" عنيفة. لقد استيقظت الشعوب على حقيقة أن
"الصدى" الذي عاشوا فيه كان هواءً بلا صوت، وأن الخطاب السياسي استمرأ
استخدام العاطفة القومية الجياشة كأداة لتغييب الوعي النقدي وفرض الوصاية الفكرية.
إن خطورة نموذج 1967
وما تلاه من أمثلة مشابهة وصارخة لا تكمن في كونه حدثاً مضى،بل في كونه
"مدرسة صياغة وعي" مستمرة حتى اليوم، وإن اختلفت الأدوات. فإذا كان أحمد
سعيد قد استخدم أمواج الراديو القصيرة والطويلة لتوجيه عواطف الملايين، فإن منصات
التواصل الاجتماعي اليوم تستخدم "غرف الصدى" (Echo Chambers) والخوارزميات الذكية لتعزل الإنسان المعاصر داخل فقاعة فكرية تكرر
له فقط ما يحب أن يسمعه، وتخفي عنه الحقائق التي تزعج توجهاته السياسية.
المفكر نعوم تشومسكي
يذكرنا دائماً بأن السيطرة على المجتمعات في العصر الحديث لا تتم بالبندقية، بل
بالسيطرة على تدفق المعلومات وتوجيه الانتباه. وحادثة النكسة تخبرنا أن غياب
الآليات المعرفية المستقلة، والاعتماد على مصدر أحادي للاستقاء، يحول الشعوب إلى
رهائن في يد الآلة الدعائية، مستعدة لتصديق الوهم حتى لو كان الواقع يصرخ بعكس ذلك.
إن الاستيقاظ المتأخر
على صوت الحقيقة الصلبة كلفته دائماً باهظة وتدفع ثمنه أجيال متعاقبة. الوعي
السياسي والتاريخي يفرض علينا ألا نكتفي بسماع الحماسة في الأصوات، بل أن نفتش عن
الحقائق الموثقة خلفها. فعندما نرفض أن نكون صدى لأثير الوهم، نحمي عقولنا
وأوطاننا من السقوط في فخاخ الهزائم المستترة خلف عباءة الانتصارات الوهمية.
























