ذاكرة صحفي: بوتسدام... رحلتي إلى القاعة التي أعادت رسم خرائط أوروبا
كتب: جودت مناع
ليست كل الأماكن التي
رُسمت فيها خرائط العالم الجديد تحتفظ بشواهدها كما لو أن الزمن توقف عندها. لكن
مدينة بوتسدام، القريبة من برلين، ما زالت تحتضن بعضاً من تلك الذاكرة الثقيلة
التي صنعت مصائر أمم وشعوب.
في أحد قصور بوتسدام
التاريخية، المعروف بقصر سيسيليينهوف، لا تزال القاعة التي شهدت اجتماعات مؤتمر
بوتسدام عام 1945 تحتفظ بأثاثها ومقاعدها وطاولاتها. هناك جلس قادة الدول المنتصرة
في الحرب العالمية الثانية: السوفييتي جوزيف ستالين، والأمريكي هاري ترومان،
والبريطاني ونستون تشرشل الذي خلفه لاحقاً كليمنت أتلي خلال أعمال المؤتمر. ومن
ذلك المكان خرجت القرارات التي رسمت ملامح أوروبا ما بعد الحرب، وأدت عملياً إلى
تقسيم ألمانيا وبرلين إلى شطرين شرقي وغربي طوال عقود الحرب الباردة.
كان القصر بحد ذاته
تحفة معمارية آسرة؛ درج عريض يرتفع نحو بهو فسيح، ونوافذ زجاجية كبيرة تتسلل منها
أشعة الضوء إلى أروقة تحتضن أشجاراً ونباتات محفوظة بعناية، وكأن المكان يصر على
الاحتفاظ بالحياة في قلب ذاكرة مثقلة بالحروب.
في عام 1992، وخلال أول
زيارة لي إلى ألمانيا تلبية لدعوة رسمية من رئيس الكنيسة الأنجليكانية في برلين،
اصطحبني القس آيو في جولة إلى بوتسدام. وعلى الطريق الممتد قرب الحدود الألمانية
البولندية، حدثني عن تاريخ المنطقة وعن الملوك الذين مروا بها، قبل أن ندخل القصر
ونتوقف طويلاً أمام القاعة التي شهدت واحدة من أهم محطات التاريخ المعاصر بعد
هزيمة أدولف هتلر وانتهاء الحرب العالمية الثانية.
وعندما انتهت الجولة
وهممنا بالمغادرة، لفت انتباهي أمام القصر عدد من البلاطات الحجرية الصغيرة تنتظم
في صف واحد، تتقدمها بلاطة أكبر حجماً.
سألت القس آيو:
– ما قصة هذه البلاطات؟
ابتسم وقال:
– أما البلاطة الكبيرة فهي قبر الملك البروسي
فريدريش الثاني، المعروف بفريدريش الكبير.
كنت أظن أن البلاطات
الأخرى تعود لأفراد من أسرته، لكنه فاجأني بإجابة لم أكن أتوقعها:
– تحت هذه البلاطات دُفنت كلابه التسعة التي
رافقته في رحلات الصيد. كان شديد التعلق بها، وأوصى بأن تُدفن إلى جواره.
بدت لي الحكاية غريبة ومؤثرة
في آن واحد؛ فالرجل الذي قاد الجيوش وخاض الحروب وترك أثراً عميقاً في تاريخ
أوروبا، اختار أن يجاور في مثواه الأخير رفاقه الأوفياء من الكلاب.
غادرنا القصر وعدنا عبر
الدرج الحجري إلى المكان الذي أوقف فيه القس آيو سيارته. وفي الطريق إلى المنتجع
الذي كنت أقيم فيه آنذاك، مررنا ببقايا جدار برلين، ذلك الجدار الذي كان رمزاً
لانقسام العالم طوال عقود. توقفنا عند أحد أجزائه المتبقية، واشتريت قطعة صغيرة منه
كتذكار مقابل عشرة ماركات ألمانية.
وقبل وصولنا إلى
المنتجع، اجتزنا سهلاً ترابياً واسعاً. أشار القس آيو إلى امتداده وقال:
– في هذه المنطقة دُفن عدد كبير من الدبابات
السوفييتية بعد انتهاء الحقبة الشيوعية. وبعد إعادة توحيد ألمانيا جرت مفاوضات
طويلة لنقل كميات كبيرة من المعدات العسكرية السوفييتية من الأراضي الألمانية إلى
روسيا، في واحدة من أكبر العمليات اللوجستية التي رافقت نهاية الحرب الباردة.
كانت تلك المشاهد
بالنسبة لي أكثر من رحلة في الجغرافيا؛ كانت رحلة في ذاكرة القرن العشرين، حيث
تتجاور قصور الملوك مع قاعات المؤتمرات التي قسمت العالم، وتلتقي آثار الحرب
الباردة مع أحلام الشعوب بالوحدة والسلام. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت
تفاصيل تلك الزيارة عالقة في الذاكرة، وكأنها حدثت بالأمس.
كان ذلك عام ١٩٩٢...
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب
الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز
في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في
اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن،
وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























