شريط الأخبار
الأردن: انتهاكات إسرائيل تدفع المنطقة نحو صراع كارثي الملك وسلطان عُمان يبحثان هاتفيا مجمل التطورات في المنطقة إقالة المدعي العام لمحكمة لاهايضريبة اصدار مذكرة توقيف نتنياهو السفارة الأميركية تحذر رعاياها مجددا من اخطار امنية "القدس الدولية": عدوان "خراب الهيكل" على الأقصى قوّض الوضع القائم عمليا الأردن والمغرب يؤكدان رفضهما المساس بالوضع التاريخي والقانوني في القدس تحركات عُمانية وباكستانية ومساع صينية لاستئناف المحادثات بين إيران والولايات المتحدة معاهدة وادي عربة (1994) وإعادة الهيكلة النخبوية هدية سيادية... سردية دولة ومهابة جيش "الدولية للدفاع عن القدس": جمع أسلحة المستوطنين هو الطريق لوقف الإرهاب... لا تجريد الضحايا من حقهم بالحياة (فيديو) نتنياهو يهدد بعملية واسعة لجيش الاحتلال بالضفة الغربية بعد مقتل المستوطن الجيش العربي: إسقاط 7 صواريخ و6 مسيرات إيرانية استهدفت الأردن هارتس: قلق في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من انجرار إلى جولة جديدة ضد إيران بسبب مصالح نتنياهو هاكابي: الشعب اليهودي أساس المسيحية الذي قامت عليه الحضارة الغربية "الدولية للدفاع عن القدس": اكبر اقتحام للأقصى منذ أشهر وسط تحذيرات من تفجير الأوضاع الجغبير: مؤتمر لندن الاستثماري محطة مهمة لتعزيز الشراكة الأردنية البريطانية وجذب الاستثمارات النوعية الحاج توفيق: الملك فتح الأبواب أمام القطاع الخاص والمطلوب تحويل الفرص إلى استثمارات وصادرات أجواء صيفية عادية وحارة في الاغوار والعقبة والبحر الميت الدفاع عن نتنياهو أم الدفاع عن السردية؟ حين تصبح الخبرة عائقًا أمام المستقبل

الحلقة15 من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني

معاهدة وادي عربة (1994) وإعادة الهيكلة النخبوية

معاهدة وادي عربة (1994) وإعادة الهيكلة النخبوية


بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة

 

توطئة:

تأتي هذه الحلقة الخامسة عشرة ضمن سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني" كجهدٍ بحثي يهدف بالدرجة الأولى إلى إضاءة الزوايا المفصلية في تاريخ الأردن الحديث، واستحضار السياقات التي شكلت وجدان الدولة ومؤسساتها. إن الغاية الجوهرية من هذا الطرح هي "التوثيق التاريخي" القائم على التحليل والمراجعة، بعيداً عن إصدار الأحكام التقييمية أو إخضاع الوقائع السياسية لتجاذبات المصالح وضجيج السياسة الراهنة. نحن هنا نسعى لقراءة الحدث في سياقه الزمني، وفهم ديناميكية بناء الدولة في لحظات التحول الكبرى، ليبقى التاريخ مرجعاً وطنياً جامعاً يتجاوز التفسيرات الضيقة.

****

مقدمة الحلقة:

لم تكن معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994 مجرد تحول في السياسة الخارجية الأردنية، بل شكلت محطة مفصلية تطلبت من النظام السياسي هندسة وإفراز نخب سياسية جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة

وتؤكد الدراسات المتخصصة في هذا التحول أن متطلبات السلام والانفتاح الاقتصادي الذي رافقه، استدعت تصعيد نخب "براغماتية وتكنوقراطية" تمتلك مهارات تفاوضية واقتصادية عالية.

****

- صعود التكنوقراط وانشطار الإجماع الوطني:

أدرك الملك الحسين بن طلال، بحنكته السياسية، أن النخب التقليدية ذات الخطاب الأيديولوجي المحافظ قد تواجه صعوبة في إدارة هذه المرحلة الحرجة وتمرير الترتيبات الجديدة أمام معارضة الشارع. لذلك، عمد النظام إلى تنويع مصادر تجنيد النخبة، مستقطباً كفاءات مهنية واقتصادية، وقيادات عسكرية متقاعدة (كحكومة الدكتور عبد السلام المجالي التي وقعت المعاهدة)، لتشكل هذه التوليفة النخبوية أداة النظام في حماية الاستقرار الداخلي وإدارة استحقاقات معاهدة السلام بكفاءة عالية.

****

وقد تجلى هذا التحول النخبوي في مسارات متوازية:

1. الهندسة الاستباقية للنخبة التشريعية (قانون الصوت الواحد 1993)

تُجمع الأدبيات السياسية، على أن التحول النخبوي بدأ فعلياً قبل توقيع المعاهدة، من خلال تعديل قانون الانتخاب عام 1993 وإقرار نظام "الصوت الواحد". لم يكن هذا التعديل إجراءً إدارياً، بل كان "هندسة سياسية استباقية" هدفت إلى تفتيت الكتل التصويتية العقائدية (وخاصة جبهة العمل الإسلامي التي سيطرت على برلمان 1989)، واستبدالها بنخبة تشريعية يغلب عليها الطابع العشائري، والمناطقي، والخدمي (المستقلين).

وأشار عدد من الباحثين لتلك المرحلة، إلى أن النظام أدرك أن تمرير معاهدة سلام تاريخية يتطلب "برلماناً مرناً وبراغماتياً" يخلو من المعارضة الأيديولوجية المتصلبة. وقد نجحت هذه الهندسة في إفراز نخبة برلمانية صادقت على المعاهدة، لتثبت قدرة المؤسسة الملكية على التحكم في "ماكينة التفريخ النخبوي" لتأمين المصالح العليا للدولة.

****

2. "نخبة البزنس والتكنوقراط" وتراجع الحرس القديم

مع دخول الأردن في حقبة "السلام"، تغيرت معايير "التجنيد النخبوي" وتراجعت جزئياً أولوية "النخبة البيروقراطية الأمنية العسكرية" التي سادت في عقود المواجهة، لصالح بروز طبقة جديدة من الخبراء الاقتصاديين، ورجال الأعمال، والتكنوقراط الذين يجيدون لغة الأرقام والتفاوض مع المؤسسات الدولية.

أمثلة تطبيقية (نخبة التحول): برزت في هذه المرحلة شخصيات سياسية واقتصادية تكنوقراطية قادت هذا التحول، مثل د. جواد العناني ود. فايز الطراونة د. منذر حدادين في هندسة المسار الاقتصادي والسياسي للمرحلة.

يرى الباحث طارق التل ( Tariq Tell, 2013) في تحليله للأصول الاجتماعية والاقتصادية للدولة الأردنية، أن هذه المرحلة أسست لزواج قسري بين "السلطة السياسية ورأس المال"؛ حيث تم استقطاب نخب القطاع الخاص والنيوليبراليين لإدارة مؤسسات الدولة. أدى ذلك تدريجياً إلى تهميش دور "النخبة العشائرية والبيروقراطية التقليدية" التي كانت تعتمد على دولة الرعاية الاجتماعية، وهو ما ولّد لاحقاً أزمات ثقة بين الدولة وقواعدها التقليدية.

****

3. انشطار النخبة السياسية وظهور "نخبة مقاومة التطبيع":

أحدثت المعاهدة فرزاً عمودياً واستقطاباً حاداً في بنية النخبة الأردنية، متجاوزة التقسيمات الكلاسيكية (موالاة ومعارضة)، لتخلق اصطفافات جديدة:

نخبة السلام والبراغماتية: وتشمل رجال الدولة الرسميين، والنخب الاقتصادية المستفيدة من الانفتاح، والتي رأت في المعاهدة ضرورة لحماية الكيان الأردني وتجاوز الأزمات الاقتصادية الخانقة، وقد وظف النظام هذه النخبة لتسويق خطابه الجديد عالمياً ومحلياً.

****

النخبة المُمانعة (انتقال المعارضة من الأحزاب إلى النقابات): أمام التضييق البرلماني بفعل قانون الصوت الواحد، أعادت النخبة المعارضة تموضعها، واستخدمت "النقابات المهنية" كقلاع سياسية وبديل عن البرلمان. قادت النخب النقابية (الإسلامية واليسارية والقومية) ما عُرف بـ "لجان مقاومة التطبيع".

أمثلة تطبيقية (نخبة الرفض): برزت في هذا السياق شخصيات وطنية مستقلة وإسلامية ذات كاريزما عالية، مثل المهندس ليث شبيلات (نقيب المهندسين الأسبق وأحد أبرز المعارضين المستقلين للمعاهدة)، النائب توجان فيصل التي سجلت مواقف معارضة حادة ضد إقرار المعاهدة داخل مجلس النواب، والنواب بسام حدادين وخليل حدادين ومصطفى شنيكات الذين كانوا يمثلون التيار اليساري، إلى جانب القيادات التاريخية لجبهة العمل الإسلامي مثل د. إسحاق الفرحان ود. عبد اللطيف عربيات، د. عبدالله العكايلة، د. إبراهيم زيد الكيلاني، د. بسام العموش، د. أحمد الكوفحي، د. همام سعيد، حمزة منصور وعبد المنعم أبو زنط، وغيرهم من قيادات الصف الأول.

****

- المعارضة من داخل النخبة الرسمية (حالة أحمد عبيدات): لم يقتصر هذا الانشطار على المعارضة التقليدية، بل امتد ليشمل شخصيات وازنة من رحم النخبة الرسمية والمؤسسات السيادية ذاتها. ولعل التمظهر الأبرز لهذا الانقسام تجلى في الموقف الصريح لدولة الأستاذ أحمد عبيدات ( رئيس الوزراء ومدير المخابرات العامة الأسبق)، والذي يُعد من أهم أقطاب "الحرس القديم". فقد أعلن عبيدات معارضته الشديدة لمعاهدة السلام ومسار وادي عربة، وهو ما أدى إلى اصطدام مباشر مع التوجهات الرسمية الحازمة لتلك المرحلة، وأسفر عن الإيعاز له بالاستقالة من عضوية مجلس الأعيان آنذاك.

إن إقصاء شخصية سيادية وأمنية بحجم عبيدات يُدلل بوضوح على أن عملية "الهندسة النخبوية" لم تقتصر على تصعيد وجوه براغماتية جديدة فحسب، بل شملت أيضاً تحييد وإبعاد الرموز الكلاسيكية التي تقاطعت مبادئها مع الاستحقاقات السياسية لـ "حقبة السلام".

****

4. إدارة التوازنات في المرحلة الانتقالية المعقدة:

يشير الباحثان لوري براند(Laurie Brand, 1994) ومارك لينش(Marc Lynch, 1999) في تحليلاتهما للسياسة الأردنية، إلى أن الملك الحسين، وأمام هذا الانشطار النخبوي الحاد، لم يتخلَّ كلياً عن "الحرس القديم". بل استمر في استخدام آلية "التدوير التكتيكي"؛ فعندما كانت تشتد الأزمات ويحتاج النظام لامتصاص صدمات التحول، كان يعود لاستدعاء النخبة التقليدية ذات الثقل العسكري والعشائري لضبط الشارع واستعادة الثقة. تجلى ذلك بوضوح في استدعاء الأمير زيد بن شاكر لتشكيل الحكومة عام 1995 (عقب توقيع المعاهدة مباشرة) كصمام أمان يحظى بثقة مزدوجة من العرش والشارع، وكذلك في التعامل مع المخاطر المترتبة على التحول الاقتصادي القاسي.

****

- خلاصة الحلقة:

أوضحت الحلقة أن النظام السياسي الأردني لا يعتمد على تقسيمات صارمة بين المدني والعسكري، أو الأكاديمي والسياسي. بل يقوم بإنتاج شخصيات "متعددة الاستخدامات"؛ تتجسد أبرز أمثلتها في شخصيات قادرة على قيادة المؤسسات الأكاديمية المدنية، وقيادة الدبلوماسية المفاوضة وتوقيع معاهدات السلام التاريخية في التسعينيات (كنموذج د. عبد السلام المجالي). هذه "المرونة النخبوية" مكنت الدولة من تخصيص "رجل المرحلة" المناسب لكل أزمة، وفقاً لما يتطلبه الموقف من شرعية تكنوقراطية، أو عسكرية، أو عشائرية.