الشرق العربي بين تراجع النفوذ الإيراني وصعود الدور التركي
كتب: جودت مناع
لم يعد النفوذ التركي
في الشرق العربي مجرد حضور سياسي عابر أو امتداد لعلاقات تاريخية وجغرافية تجمع
أنقرة بالمنطقة، بل بات مشروعًا إقليميًّا يتنامى بثبات في لحظة تشهد تحولات
استراتيجية عميقة، فرضتها الحروب المتلاحقة، وتراجع أدوار قوى إقليمية كانت حتى
وقت قريب تتصدر المشهد.
وفي المقابل، تتسارع
مشاريع المستعمرة الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة في
المنطقة، مستندة إلى حكومة يمينية متطرفة تتبنى رؤى توسعية تتجاوز حدود الدولة
القائمة، وتستند إلى سرديات أيديولوجية ودينية تُستخدم لتبرير التوسع والهيمنة
وإعادة رسم الخرائط السياسية في الشرق العربي.
في هذا السياق، تبدو
تركيا الدولة الإقليمية الأكثر قدرة على ملء الفراغ الناشئ عن تراجع أدوار أخرى.
فمنذ سقوط النظام السوري برئاسة بشار الأسد، تحولت أنقرة إلى لاعب رئيسي في المشهد
السوري، سياسيًّا وأمنيًّا وعسكريًّا، عبر اتفاقيات تعاون واسعة النطاق تمنحها
دورًا مباشرًا في إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، وتؤسس لمرحلة
جديدة من العلاقات بين البلدين.
ولم يقتصر الحضور
التركي على سوريا. ففي العراق، وقّعت بغداد وأنقرة اتفاقيات اقتصادية واستراتيجية
مهمة، من بينها تفاهمات تتيح لتركيا الحصول على نحو مليون برميل من النفط يوميًّا،
بما يعكس تشابك المصالح بين الطرفين، ويمنح أنقرة أوراق قوة إضافية في معادلات
الطاقة الإقليمية.
أما لبنان، الذي ما زال
يدفع ثمن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وما خلفته من دمار واسع في البنية
التحتية والاقتصاد الوطني، فقد أصبح بدوره ساحة اهتمام تركي متزايد. ولم يكن
مستغربًا أن يدعو رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة إلى تعزيز التعاون
مع أنقرة، إدراكًا لحجم التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية، ولحاجة لبنان
إلى شركاء قادرين على المساهمة في إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار.
وفي فلسطين، ورغم
المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة، تواصل تركيا تقديم أشكال
مختلفة من الدعم للشعب الفلسطيني. ويكتسب إعلان شركة «بيرقدار» التركية تقديم منح
دراسية كاملة لنحو مئتي طالب فلسطيني في مجالات التكنولوجيا أهمية خاصة، لأنه يركز
على بناء الإنسان الفلسطيني وتأهيله علميًّا وتقنيًّا، وهو استثمار طويل الأمد في
المستقبل الفلسطيني.
إن تنامي الحضور التركي
يتزامن مع انحسار النفوذ الإيراني الذي تعرض لهزة كبيرة نتيجة العدوان الأمريكي ـ
الإسرائيلي على إيران خلال الأشهر الماضية. وقد أظهرت تلك التطورات أن التوازنات
الإقليمية التقليدية لم تعد ثابتة، وأن المنطقة تشهد إعادة توزيع للأدوار والنفوذ
بين القوى الفاعلة.
ويستند الصعود التركي
إلى قاعدة متينة من التطور الصناعي والعسكري. فأنقرة لم تعد مجرد مستورد للسلاح،
بل أصبحت من كبار المنتجين والمصدرين للتقنيات العسكرية الحديثة، وفي مقدمتها
الطائرات المسيّرة وأنظمة الصواريخ والسفن الحربية. كما يمثل مشروع المقاتلة
الوطنية «قان»
(KAAN) خطوة استراتيجية نحو
بناء قوة جوية مستقلة قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية لعقود مقبلة.
ولا غرابة، والحال هذه،
أن تنظر المستعمرة الإسرائيلية بقلق متزايد إلى هذا التطور، وأن تعارض حصول تركيا
على مقاتلات «إف-35»، إدراكًا منها أن أي تفوق عسكري تركي متنامٍ من شأنه الحد من
هامش التفوق الاستراتيجي الذي سعت إسرائيل إلى احتكاره في المنطقة لعقود طويلة.
في الوقت ذاته، يشهد
مسار العلاقات التركية المصرية تطورًا لافتًا، يقوم على إدراك مشترك لطبيعة
التحديات التي تواجه المنطقة. فالتقارب بين أنقرة والقاهرة، وما رافقه من تعاون
سياسي وعسكري ومناورات مشتركة، يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأن أمن الشرق
العربي واستقراره يتطلبان تنسيقًا بين القوى الإقليمية الكبرى، لا سيما في ظل
السياسات الإسرائيلية التي تجاوزت حدود فلسطين لتطال أكثر من ساحة عربية وإقليمية.
إن ما تشهده المنطقة
اليوم ليس مجرد تنافس بين دول على النفوذ، بل صراع على شكل النظام الإقليمي
القادم. فالقوى الفاعلة تعمل على إعادة تموضعها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا
استعدادًا لمرحلة جديدة تتغير فيها التحالفات وموازين القوة.
وفي خضم هذه التحولات،
يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه دول الشرق العربي يتمثل في كيفية بناء منظومة
إقليمية قادرة على حماية أمنها الجماعي، ومواجهة سياسات الاحتلال والتوسع
والهيمنة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالسيطرة على الأرض وحدها، بل بالتفوق التكنولوجي
والاقتصادي والقدرة على بناء التحالفات الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن صعود
الدور التركي لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثًا عابرًا أو ظرفيًّا، بل بوصفه أحد
أبرز التحولات الجيوسياسية في الشرق العربي خلال العقد الحالي، وربما أحد العوامل
المؤثرة في رسم ملامح المنطقة لعقود قادمة.
يمكن أيضًا صياغة
المقال بأسلوب أكثر حدةً سياسيًّا وأقرب إلى الافتتاحيات الصحفية اليومية التي
تُنشر في الصفحات الأولى للصحف العربية.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























