اتفاق مكة: محورٌ جديدٌ في الشرق العربي أم إعادةُ ترتيبٍ للتوازنات؟
كتب: جودت مناع
اختلفتِ الآراءُ حولَ
توقيتِ وأهدافِ «اتفاقِ مكة» الذي يجمعُ المملكةَ العربيةَ السعوديةَ وتركيا
وباكستان. وبينما سارعَ بعضُ المراقبين إلى التشكيك في جدواه أو خلفياته، رأى
آخرون فيه بدايةَ تشكُّلِ محورٍ إقليميٍّ جديدٍ في الشرقِ العربيِّ والإسلاميِّ،
وانتقالًا من مرحلةِ ردِّ الفعلِ إلى مرحلةِ صناعةِ التوازناتِ الاستراتيجية.
غيرَ أنَّ أسئلةً
مشروعةً تفرضُ نفسَها في مرحلةٍ تُعَدُّ من أخطرِ المراحلِ التي تمرُّ بها
المنطقة، حيثُ تجاوزتِ التداعياتُ حدودَ الجغرافيا العربية لتصلَ إلى عتبةِ أوروبا
وقلبِ آسيا. ومن هنا تبرزُ الحاجةُ إلى قراءةٍ جيوسياسيةٍ وأمنيةٍ أعمقَ لفهمِ
أبعادِ هذا الاتفاق ودلالاته.
ولا يخفى على شعوبِ
المنطقة أنَّ الدولَ الموقِّعةَ على الاتفاق ترتبطُ بدرجاتٍ متفاوتةٍ بعلاقاتٍ
استراتيجيةٍ مع الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية. كما أنَّ بعضَها اضطلعَ بأدوارٍ
دبلوماسيةٍ في محاولاتِ احتواءِ التوتراتِ الإقليمية، سواءٌ تلكَ المرتبطةُ
بالمواجهةِ الأمريكية ـ الإيرانية، أو بتصاعدِ الخلافاتِ بينَ المستعمرةِ
الإسرائيليةِ وتركيا. كذلكَ عايشتِ السعوديةُ خلالَ السنواتِ الماضيةِ تداعياتِ
الصراعِ مع إيران وأذرعِها الإقليمية، سواءٌ عبرَ الهجماتِ الصاروخيةِ أو
التهديداتِ الأمنيةِ المتكررة.
ومن هذه الزاوية، يمكنُ
فهمُ دوافعِ الرياضِ للبحثِ عن منظومةِ ردعٍ إقليميةٍ أوسعَ نطاقًا، تُسهمُ في
حمايةِ الأمنِ الوطنيِّ والخليجيِّ على السواء.
ويطرحُ غيابُ مصرَ عن
الاتفاق تساؤلاتٍ لا تقلُّ أهميةً عن الاتفاقِ نفسِه. فمصرُ كانت، تاريخيًّا،
ركيزةَ العملِ العربيِّ المشتركِ، وقادتْ حروبًا ومواجهاتٍ مصيريةً في الصراعِ
العربيِّ ـ الإسرائيلي. ويأتي غيابُها في وقتٍ تشهدُ فيه المنطقةُ تحولاتٍ كبرى،
بدءًا من الحربِ على غزة، مرورًا بالتصعيدِ في جنوبِ لبنان وسوريا، وصولًا إلى
التحدياتِ المتصلةِ بالأمنِ القوميِّ العربي.
غيرَ أنَّ تفسيرَ هذا
الغيابِ لا ينبغي أن يُختَزلَ في موقفٍ سياسيٍّ من الاتفاق فهو مرحليا وليس
استراتيجيا. فالقاهرةُ التي تربطها علاقات جيدة مع دول المحور الجديد تبدو منشغلةً
بأولوياتٍ استراتيجيةٍ مختلفة، تتعلقُ بحمايةِ حدودِها المباشرة مع المستعمرة
الإسرائيلية، والحفاظِ على استقرارِها الداخلي، وتطويرِ قدراتِها العسكرية، فضلًا
عن تمسُّكِها بسياسةٍ حذرةٍ تجاهَ الصراعِ الإيراني ـ الإسرائيلي، انطلاقًا من
قناعةٍ مفادُها أنَّ انخراطَ العربِ في مواجهةٍ مباشرةٍ مع إيران قد يُفضي إلى
نتائجَ تُهدِّدُ الأمنَ القوميَّ العربيَّ أكثرَ مما تحميه.
وسطَ هذه التناقضات، لا
يمكنُ استبعادُ أن تكونَ المخاوفُ المشتركةُ من السياساتِ التوسعيةِ للمستعمرةِ
الإسرائيليةِ أحدَ العواملِ الدافعةِ نحوَ هذا التقاربِ الثلاثي. كما لا يمكنُ
تجاهلُ أنَّ الدولَ الثلاثَ تمتلكُ عناصرَ قوةٍ مؤثرة: الثقلُ الاقتصاديُّ
السعودي، والقدراتُ الصناعيةُ والعسكريةُ التركية، والإمكاناتُ الاستراتيجيةُ
الباكستانية.
لكنَّ السؤالَ الأهمَّ
يبقى: ضدَّ مَن يتشكَّلُ هذا المحور؟
من المبكرِ الجزمُ
بأنَّ الاتفاقَ موجَّهٌ ضدَّ إيران، كما أنَّ من الصعبِ اعتبارهُ تحالفًا مناهضًا
للمستعمرةِ الإسرائيليةِ بصورةٍ مباشرة. والأرجحُ أنَّه محاولةٌ لبناءِ توازنٍ
إقليميٍّ يمنعُ هيمنةَ أيِّ طرفٍ منفردٍ على المنطقة، ويمنحُ الدولَ الموقِّعةَ
هامشًا أوسعَ من الاستقلاليةِ في اتخاذِ القرار.
كما أنَّ من غيرِ
المستبعَدِ أن تكونَ واشنطن قد رأتْ في مثلِ هذا الترتيبِ الإقليميِّ فرصةً
لتخفيفِ أعباءِ الانخراطِ المباشرِ في أزماتِ المنطقة، خصوصًا بعدَ تعقُّدِ ملفاتِ
الصراعِ مع إيران، وتزايدِ الكلفةِ السياسيةِ والعسكريةِ للمواجهاتِ المفتوحة.
وبينَ المشككينَ
والمؤيدين، يصعبُ التقليلُ من أهميةِ الإعلانِ عن «اتفاقِ مكة». فنجاحُه أو فشلُه
لن يُقاسَ بالبياناتِ الرسميةِ، بل بقدرتهِ على التحولِ إلى إطارٍ عمليٍّ للتنسيقِ
السياسيِّ والأمنيِّ والاقتصاديِّ بينَ أعضائِه، ومدى قدرتِه على استقطابِ دولٍ
أخرى إلى رؤيتِه المستقبلية.
إنَّ المنطقةَ تقفُ
اليومَ أمامَ مرحلةِ إعادةِ تشكيلٍ للتوازناتِ الكبرى. ولذلكَ فإنَّ التريثَ في
إصدارِ الأحكامِ يبدو أكثرَ حكمةً من الاندفاعِ نحوَ التأييدِ أو الرفض. فالأيامُ
القادمةُ وحدَها ستكشفُ ما إذا كان "اتفاقُ مكة" نواةَ محورٍ
استراتيجيٍّ جديدٍ في الشرقِ العربيِّ والإسلاميِّ، أم مجردَ محطةٍ عابرةٍ في
مسارِ التحولاتِ الإقليميةِ المتسارعة.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























