هل أصبح هاكابي عبئاً على واشنطن في تل أبيب؟
جودت مناع
في تطور لافت، صدر عن
السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال الإسرائيلي، مايك هاكابي، تصريح انتقد فيه سلوك
مستوطنين حاصروا منزلاً لعائلة فلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس، بعد أن أقاموا
سياجاً وبؤرة استيطانية بمحاذاته في مشهد أثار استنكاراً واسعاً داخل فلسطين المحتلة
وخارجها.
هذا الموقف بدا
استثنائياً إذا ما قورن بسجل هاكابي الطويل من التصريحات الداعمة للمشروع
الاستيطاني الإسرائيلي. فمنذ سنوات، يتبنى السفير الأمريكي مواقف تستند إلى رؤية
دينية وأيديولوجية تعتبر الضفة الفلسطينية جزءاً مما يسميه اليمين
الصهيوني"أرض إسرائيل التاريخية". وقد سبق له أن صرّح أكثر من مرة بأنه
لا يؤمن بوجود احتلال إسرائيلي للضفة الفلسطينية، وأن للمستوطنين اليهود حقاً في
الإقامة على أراضيها، الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة
التي تعتبر المستوطنات غير شرعية.
ولم تقتصر مواقف هاكابي
على الدفاع عن الاستيطان القائم، بل امتدت إلى تأييد مشاريع الضم وتوسيع
المستوطنات، وهو ما دفع كثيراً من المراقبين إلى اعتباره أقرب إلى ممثل للحركة
الاستيطانية منه إلى سفير يفترض أن يمثل سياسة دولة تسعى إلى الاستقرار وحل
النزاعات.
السؤال الذي يفرض نفسه
اليوم: ما الذي دفع هاكابي إلى إطلاق تصريح بدا وكأنه انتقاد للمستوطنين، رغم
انسجامه الطويل مع خطابهم السياسي والأيديولوجي؟
الإجابة قد تكون مرتبطة
بتزايد الضغوط داخل الولايات المتحدة نفسها. فقد دعا النائب الديمقراطي في مجلس
النواب الأمريكي جيري نادلر(Jerry Nadler) مؤخراً
إلى إقالة أو استقالة هاكابي من منصبه، متهماً إياه بتقويض السياسة الأمريكية
التقليدية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومنح غطاء سياسي وأخلاقي للتيارات
الاستيطانية الإرهابية المتطرفة.
كما دعا السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن هو
الاخر السفير الأمريكي لدى الاحتلال مايك هاكابي إلى الاستقالة، متهمًا إياه
بالتحول إلى مدافع عن حكومة نتنياهو والتغاضي عن جرائم المستوطنين وانتهاكات
الجنود. كما اكد عدد من أعضاء الكونجرس ومؤسسات المجتمع المدني الأمريكية أن
تصريحات السفير ومواقفه تسهم في تأجيج التوتر والعنف بدلاً من احتوائه.
وتأتي هذه الانتقادات
في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة تحولاً ملحوظاً في الرأي العام، خاصة بين الشباب
والجامعات والأوساط الحقوقية، حيث تتزايد الأصوات المنتقدة للحرب على غزة ولسياسات
الاستيطان الإرهابية والضم في الضفة الفلسطينية. وأصبح الدفاع غير المشروط عن
المستوطنات عبئاً سياسياً متزايداً على المسؤولين الأمريكيين الذين يتبنون هذا
الخطاب.
كما تعرض هاكابي
لانتقادات حادة من صحفيين ومحللين أمريكيين بارزين منهم الصحفي تاكر بسبب اعتماده
خطاباً دينياً أيديولوجياً في تناول قضية سياسية وقانونية معقدة. ويرى منتقدوه أن
إصراره على تفسير الصراع من منظور عقائدي يضعف قدرة الولايات المتحدة على لعب دور
الوسيط، ويجعلها أقرب إلى طرف منحاز بالكامل للحكومة الإسرائيلية الحالية.
ولا يمكن فصل الجدل
الدائر حول مواقف هاكابي عن التحولات السياسية الجارية داخل الولايات المتحدة
نفسها. فالصعود الانتخابي لشخصيات تقدمية مثل زهران ممداني في نيويورك، والحضور
المتنامي لعبد السيد في ميشيغان، وتصريحاته الواضحة ضد جرائم الحرب التي ترتكبها
المستعمرة الإسرائيلية يعكس اتساع قاعدة الناخبين الأمريكيين المنتقدين للحرب على
غزة وللسياسات الاستيطانية في الضفة الفلسطينية وتمويلها من أموال الضرائب
الامريكية.
ورغم أن هذه الشخصيات لا تشكل بعدُ أغلبية داخل
المؤسسة السياسية الأمريكية، فإن نتائجها الانتخابية بعثت برسالة واضحة إلى
الحزبين الديمقراطي والجمهوري مفادها أن الانحياز غير المشروط للمستعمرة
الإسرائيلية لم يعد يحظى بالإجماع الذي كان قائماً في العقود السابقة، وهو ما يزيد
من الضغوط الواقعة على مسؤولين مثل مايك هاكابي الذين ارتبطت أسماؤهم بالدفاع
العلني عن الاستيطان ورفض الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن خطورة مواقف هاكابي
لا تكمن فقط في تصريحاته، بل في تأثيرها العملي على الأرض. فحين يصدر عن سفير
الولايات المتحدة حديث متكرر عن ما أسماه "حق" المستوطنين في الأرض
الفلسطينية، فإن ذلك يُقرأ من قبل الجماعات الاستيطانية المتطرفة باعتباره تشجيعاً
سياسياً ومعنوياً لمواصلة التوسع والاستيلاء على الأراضي. وقد حذرت منظمات حقوقية
إسرائيلية ودولية مراراً من أن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الفلسطينية يرتبط
ببيئة سياسية توفر الحماية والإفلات من العقاب.
وفي حالة قصرة، لم يكن
الحدث مجرد اعتداء عابر، بل نموذجاً مصغراً لسياسة فرض الوقائع بالقوة.
فالمستوطنون لم يكتفوا بمحاصرة منزل العائلة الفلسطينية، بل سعوا إلى تكريس وجود
استيطاني دائم في محيطه، بينما اكتفت قوات الاحتلال بالتواجد والمراقبة والدعم دون
اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف الانتهاكات، وفق شهادات فلسطينية وتقارير حقوقية.
بالنسبة للفلسطينيين،
لا تبدو المشكلة في حادثة قصرة وحدها، بل في المناخ السياسي الذي يسمح بتكرار مثل
هذه الحوادث. فالمستوطن الذي يشعر أن شخصيات نافذة في واشنطن وتل أبيب تتبنى
روايته الأيديولوجية يصبح أكثر جرأة على فرضها بالقوة.
ومع ذلك، فإن
الانتقادات المتصاعدة داخل الولايات المتحدة قد تضع هاكابي أمام تحدٍ حقيقي.
فاستمرار الجدل حول دوره ومواقفه قد يثير تساؤلات داخل الإدارة الأمريكية
والكونغرس بشأن مدى قدرته على تمثيل المصالح الأمريكية الأوسع، خاصة إذا استمرت
تصريحاته في التناقض مع الجهود المعلنة لخفض التوتر ومنع اتساع دائرة العنف.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل يمثل تصريح هاكابي الأخير بشأن قصرة تحولاً حقيقياً في موقفه، أم أنه محاولة
لامتصاص ضغوط سياسية متزايدة في واشنطن؟
حتى الآن، تبدو
المؤشرات أقرب إلى الاحتمال الثاني. فالرجل لم يتراجع عن قناعاته المعلنة بشأن
الاستيطان، ولم يصدر عنه ما يوحي بمراجعة فكرية أو سياسية لمواقفه السابقة. ولذلك
فإن الحكم على أي تغيير محتمل لن يكون من خلال التصريحات، بل من خلال موقفه من
استمرار التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية.
فما دامت المستوطنات
تتوسع بدعم حكومي رسمي لا يكترث لانتقادات خارجية بل ينفذ عكسها كما يجري الآن في
قصرة حيث تخلى العائلات الفلسطينية من منازلها، وما دام عنف المستوطنين يحصد
المزيد من الضحايا ويصادر المزيد من الأراضي، فإن أي حديث عن رفض الإرهاب أو إدانة
التطرف سيظل فاقداً للمصداقية ما لم يقترن بخطوات عملية توقف سياسة فرض الأمر
الواقع بالقوة.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























