في فقه الواقع؛ هل تعود الأرض بهز الكتف بحنية؟
يزن عيد الحراحشة.
تتناغم أقدام وأكتاف
الشباب والشابات الفلسطينيين والمتضامنين معهم من حين إلى آخر على وقع أنغام
فلكلورية محلية معدلة إلى لغة العصر، ونجد أيضا مشاهد مشابهة مثل تجسيد المقابر
والمجازر، أو الفعاليات الموسيقية والفنية وغيرها من الفعاليات الناعمة، هذه
المشاهد القادمة من أرصفة وشوارع العواصم العالمية تلقى في فضائنا العام صدى يصدح
وآراء تتلاطم، وهنا يحق السؤال؛ هل تعود الأرض بهز الكتف بحنية؟
بداية وقبل الانجراف في
سيل تجريم وتسخيف هذا الفعل علينا الالتفات إلى وجود تباين ثقافي بيننا والغرب
يكفي لتكون قراءتنا لهذا المشهد مشوهة عن صورتها هناك، وهذا التشوه يتبع إلى عوامل
متعلقة بنسق التدين الشكلي والجمعي أو التعبير عن التضامن والمشاعر في بلاد لا
نعرف فيها فكرة الشموع للرثاء والدموع للتعزية أو تخصيص الألوان للمناسبات.
ومن منظار الواقع؛ فإذا
أردنا قراءة هذا المشهد قراءة حقة فعلينا أن نقرأه من منظور المجتمعات التي تنفذ
فيها هذه الفعاليات، بل والالتفات إلى أهميتها في كونها أنشطة عفوية منخفضة
التكلفة تشكل مع غيرها من الحراكات تيارا يستطيع شيئا فشيئا تحريك الرأي العام
العالمي إلى التموضع بشكل أكثر عدالة، بل والاصطفاف شيئا فشيئا مع الحقوق العربية
التي تبدو أكثر ألفة، بل لا أستحي من الإشارة إلى أن مواقف عدة دول أوروبية أو
فعاليات شعبية في أمريكا مثلا أصبحت أكثر تقدمية من مواقفنا العربية الرسمية التي
تجرم وتضيق على حركات مناهضة الصهيو***.
أما عن الأصوات الجارفة
في وجه هذه الفعاليات فسنجد وقودها الأساسي هو مئات آلاف الأصوات سهلة الانحراف في
السيل كيفما كان، وأحيل المهتمين حول هذا الملف هنا إلى ما كنت قد تكلمت عنه في
مقالات ولقاءات سابقة، ولكن الأهم من هذه الأصوات القطيعية الجاهزة هم القادرون
على تحريكها، حيث ينقسم هؤلاء من زاويتي على ثلاث وجوه، الأول هو خط الإسلام
السياسي الذي يرى في هذه الفعاليات ابتذالا وزندقة، والثاني هو الخط المتواطئ الذي
يبحث عن أي فرصة لتقويض مناهضة الاستعمار، والثالث هم المستغفلون الذين ينجرفون
بسهولة رغم قدرتهم على التأثير، أو بالأحرى غير القادرين على تشكيل موقف نقدي
مستقل.
ولو نظرنا بعين الحقيقة
وفي واقع لا يجد فيه الفعل الخشن والمسلح أي جدوى سريعة، بل ويستجلب -من منظور
كثيرين- النار والدمار، فلماذا نصر على تصنيف الفعل الناعم بعديم الجدوى أيضا؟
بالأحرى كيف لنا أن نرفض المناهضة الخشنة والعنيفة ونرمي تلك الناعمة بالتسخيف
والتسفيه أيضا؟! ولو سلمنا بهذين الرفضين، أين ستكون الجدوى؟!
الفعل الناعم، والحراك
المدني، وترجمة صوت القهر إلى موسيقى، وجذب عيون وأذهان الناخبين في الغرب إلى
وجود قضية عادلة في وجه مستعمر أصولي يتغذى بخطاب توراتي يرى أن الله منحه حق تملك
الأرض ومن عليها بوصفهم عبيدا، هذه الحركة التي ينبغي ألا نخسرها ليدرك العالم أن
التخلف والرجعية والوحشية سمات المجرم لا الأبرياء المعذبين في الأرض، وهذا كله
مجدٍ له في العالم والتاريخ نماذج مضيئة وناجحة.
في ختام هذه كله،
وكنصيحة من القلب؛ فلنحرص على عدم غلق الباب أمام أي فكرة أو مشروع نستطيع عبره
مقاومة الاستعمار الدموي، ولعل في مقاومته مقاومة مدنية ناعمة بذكريات المهاتما
غاندي ونيلسون مانديلا - جدوى حقيقية ولو حجبها عن التشوه المعرفي أو عدم تقبل
الفن والأدب كوسائل للتعبير القوي عن الموقف، بل هي نصيحة لإعادة القراءة والنظر
والتفكير، وصدقوني لن يضير البنادق همس الزهور أو تمايل الخصور؛ فالنية واحدة وفي
الثانية كشف وتعرية أبلغ للإجرام.
نعم، فليهز من يستطيع
هز كتفه بحنية، وليمسك كل منا لسانه طالما أنه معدوم الحيلة والتأثير.

























