الديمقراطية لا تُختزل بصندوق الاقتراع
النائب د علي الطراونة
حين نُراجع مسيرة
التحديث السياسي، علينا أن نسأل: هل نريد ديمقراطية حقيقية… أم ديمقراطية تُفرَّغ
من مضمونها؟
نحن بلدٌ نتغنى
بالديمقراطية، ونعتز بأن مسيرتنا السياسية شهدت خلال السنوات الماضية خطواتٍ مهمة
باتجاه ترسيخ الحياة الديمقراطية وتعزيز مشاركة المواطن في صناعة القرار. وقد جاءت
رؤية جلالة الملك، باعتباره قائد مسيرة الدولة وسيدها، واضحة في الدفع نحو تحديث
سياسي يفتح أبواب المشاركة أمام الأردنيين، ويعزز دورهم في بناء مستقبل وطنهم.
ومن هنا جاءت لجنة
تحديث المنظومة السياسية، وما انبثق عنها من مخرجات وتشريعات، وفي مقدمتها قانونا
الأحزاب والانتخاب، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء حياة سياسية أكثر نضجاً،
وصولاً إلى حياة حزبية وبرلمانية قادرة على التعبير الحقيقي عن إرادة المواطنين.
لكن الديمقراطية لا
تكتمل عند حدود مجلس النواب، ولا يجوز أن تُختزل في ورقة اقتراع توضع في صندوق كل
عدة سنوات.
الديمقراطية الحقيقية
تبدأ من المواطن، وتمتد إلى محافظته وبلديته ومجتمعه المحلي، وتمنحه الحق في
اختيار من يمثله، ومحاسبته، ومراقبة أدائه.
ومن هنا جاءت مجالس
المحافظات كخطوة مهمة في طريق اللامركزية، وكأحد المسارات التي تعكس جوهر الرؤية
الملكية في توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وتمكين أبناء المحافظات من تحديد
أولوياتهم والمساهمة في رسم مستقبل مناطقهم.
لقد ذهب المواطن إلى
صناديق الاقتراع واختار ممثليه، ومنحهم ثقته، وكان من بينهم أعضاء حملوا صوت مناطق
ربما لم تجد من يمثلها بالشكل الكافي في مجالس أخرى. وكان الهدف واضحاً: أن لا
تبقى التنمية والقرار حكراً على المركز، وأن يصبح للمواطن في المحافظات صوتٌ مسموع
في تحديد احتياجات محافظته وأولوياتها.
لكن المؤلم أن تجربة
مجالس المحافظات لم تحصل دائماً على الفرصة الحقيقية للنجاح.
فالمجلس الذي تُسحب
صلاحياته، وتُقيَّد أدواته، وتُهمَّش قدرته على اتخاذ القرار، لا يمكن أن يُطلب
منه بعد ذلك أن يحقق المستحيل.
لا يمكن أن تمنح المجلس
اسم "مجلس محافظات” ثم تسلبه الأدوات التي تمكنه من القيام بدوره، وبعدها تُحمّله
مسؤولية الفشل.
إن إضعاف المجالس عبر
سحب صلاحياتها أو الحد من قدرتها على تنفيذ ما أُنيط بها، ثم تقديم ضعف الأداء
للرأي العام باعتباره دليلاً على عدم جدوى المجالس المنتخبة، أمرٌ يحتاج إلى وقفة
وطنية جادة.
فالمشكلة ليست دائماً
في فكرة المجلس، بل في البيئة التي أُحيط بها المجلس، وفي مقدار الصلاحيات التي
مُنحت له، وفي مدى احترام المؤسسات التنفيذية لدوره.
وإذا كان المجلس
المنتخب لا يملك صلاحية حقيقية، فكيف نطالبه بنتائج حقيقية؟
وإذا أردنا تقييم
التجربة، فعلينا أن نكون منصفين: أعطوا المجالس صلاحياتها كاملة، وامنحوها أدوات
العمل، ثم حاسبوها على النتائج.
أما أن تُجرَّد من
الصلاحيات، ثم يُقال إنها لم تنجح، فذلك ليس تقييماً عادلاً، بل حكمٌ على تجربة لم
تُمنح فرصة حقيقية لاختبار قدرتها.
والأخطر من ذلك أن
تتحول فكرة المجالس المنتخبة إلى مجرد مرحلة مؤقتة، ثم يجري استبدالها بمجالس
قائمة على التعيين.
هنا لا يتعلق الأمر
بأسماء أو أشخاص، ولا بخلاف مع وزير أو حكومة، وإنما يتعلق بمبدأ ديمقراطي يجب أن
نحميه جميعاً.
فالمجلس الذي يأتي عبر
إرادة الناس، مهما كانت أخطاؤه، يبقى صاحب شرعية انتخابية. أما المجلس الذي يأتي
بالتعيين، فإن شرعيته تستمدها من الجهة التي عينته، لا من صناديق الاقتراع.
ونحن لا نريد ديمقراطية
تُدار بمنطق الترضيات والمحاسيب والأقرباء والأصدقاء، ولا نريد أن تصبح المناصب
العامة مكافآت تُوزع، بينما تُهمَّش إرادة المواطن الذي ذهب إلى صندوق الاقتراع
ومنح صوته لمن اختاره ممثلاً عنه.
الأردن الذي نريده أكبر
من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأهم من المصالح الآنية.
وإذا كانت هناك أخطاء
في تجربة مجالس المحافظات، فلتُصلح الأخطاء، لا أن تُلغى الفكرة. وإذا كانت هناك
ثغرات في التشريع، فليُعدَّل التشريع. وإذا كان هناك ضعف في الأداء، فلتكن هناك
محاسبة حقيقية.
أما إضعاف المؤسسة ثم
الحكم عليها بالفشل، فليس إصلاحاً سياسياً.
لقد كانت رؤية جلالة
الملك واضحة في بناء دولة حديثة، وتعزيز المشاركة السياسية، وتوسيع قاعدة صنع
القرار. وهذه الرؤية لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار القوانين، بل يجب أن تتحول إلى
ممارسة سياسية راسخة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
الديمقراطية ليست
شعاراً نرفعه، ولا قانوناً نكتبه، ولا انتخابات نجريها فقط. الديمقراطية ثقافة
ومؤسسات وصلاحيات ومساءلة وإرادة شعبية يجب أن تُحترم.
ولذلك، فإن الدفاع عن
مجالس المحافظات ليس دفاعاً عن أشخاص أو عن تجربة بعينها؛ بل هو دفاع عن حق
المواطن في أن يكون شريكاً حقيقياً في إدارة شؤون وطنه ومحافظته.
نحن بحاجة إلى مجالس
منتخبة قوية، لا مجالس ضعيفة تبحث عن صلاحية.
بحاجة إلى مسؤول يؤمن
بالشراكة، لا مسؤول يرى في المجلس المنتخب منافساً.
بحاجة إلى إدارة محلية
تحترم صوت الناس، لا أن تبحث عن الالتفاف عليه.
فإذا كنا جادين في بناء
الديمقراطية التي أرادها جلالة الملك، فعلينا أن نحمي إرادة المواطن لا أن
نستبدلها، وأن نُقوّي المؤسسات المنتخبة لا أن نُفرغها من مضمونها.
وفي النهاية، يبقى
السؤال الوطني الكبير:
هل نريد ديمقراطية
حقيقية يكون فيها صوت المواطن هو الأصل، أم نريد ديمقراطية شكلية تبدأ بصندوق
الاقتراع وتنتهي عند أبواب التعيين؟
الجواب ليس ترفاً
سياسياً، بل هو اختبار حقيقي لمدى صدقنا في مسيرة التحديث السياسي.
فالأردن يستحق
ديمقراطية تُبنى على إرادة أبنائه، لا ديمقراطية تُدار بالترضيات. والوطن الذي
راهن على وعي شعبه، لا يجوز أن يُدار بمنطق الوصاية على خياراته.

























