استثمارات الضمان الزراعية.. الإنتاج وحده لا يصنع استثمارًا .
بقلم المهندس سمير سليمان
أعادت أزمة فائض
البطاطا والخسائر التي لحقت بالمزارعين، وما يثار حول نتائج تجربة شركة الضمان
للاستثمار والصناعات الزراعية، فتح ملف أوسع يتعلق بكيفية إدارة الاستثمار
الزراعي، ومدى ارتباط قرارات الإنتاج بدراسات السوق والاحتياجات الفعلية وقدرات
التخزين والتصنيع والتسويق.
الاستثمار الزراعي
الناجح لا يبدأ من الأرض ولا ينتهي عند الحصاد، وإنما تبدأ جدواه الحقيقية قبل
الزراعة، من خلال دراسة السوق وتحديد حجم الطلب والإنتاج المتوقع، واختيار الصنف
والموعد والمساحة، ثم تحديد المسار الذي سيسلكه الإنتاج بعد خروجه من الحقل.
وتبرز في هذه الحالة
أهمية الخبرة والاختصاص. فالشركات التي تستثمر في الزراعة تحتاج إلى منظومة من
الخبرات المتخصصة، وليس فقط إلى الإدارة المالية والإدارية. وجود خبراء في
الاقتصاد الزراعي، ودراسات الجدوى، وتحليل الأسواق، وتخطيط الإنتاج، وإدارة
العمليات الفنية يصبح ضرورة عندما تكون القرارات المتخذة قادرة على التأثير في سوق
كامل ومصالح آلاف المزارعين.
المهندس الزراعي
المطلوب هنا ليس مجرد مهندس يتابع العمليات الحقلية، وإنما منظومة اختصاصات زراعية
واقتصادية وفنية تستطيع قراءة السوق قبل اتخاذ قرار الزراعة، وتقدير حجم الإنتاج
الذي يمكن استيعابه، ودراسة تكاليفه وعوائده ومخاطره، ومتابعة حركة العرض والطلب
والمواسم الزراعية.
وتزداد أهمية هذه
المسألة في محصول مثل البطاطا، حيث إن زيادة المساحات والإنتاج في سوق محدود
الاستيعاب قد تقود إلى وفرة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، فتتراجع الأسعار ويتحمل
المزارع خسائر لا علاقة له وحده بأسبابها. وقد أثارت التطورات الأخيرة بالفعل
أسئلة حول حجم إنتاج المشروع وأثره على السوق ودخل المزارعين والجدوى الاقتصادية
للاستثمار.
لكن المشكلة لا ينبغي
أن تتوقف عند كمية البطاطا المنتجة. السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا أعددنا لاستيعاب
هذا الإنتاج؟
فالزراعة الحديثة لا
يمكن أن تفصل بين الحقل وما بعد الحقل. إذا توسع الإنتاج دون أن يواكبه توسع في
التخزين والتبريد والتصنيع الغذائي والتسويق، فإن جزءًا كبيرًا من الإنتاج سيصل
إلى السوق في الوقت نفسه، لتصبح الوفرة عامل ضغط على الأسعار بدل أن تكون مصدر قوة
للاقتصاد الزراعي.
التخزين هنا ليس مجرد
مستودعات تحفظ المنتج، وإنما منظومة فنية متخصصة تسمح بتوزيع الكميات على فترات
زمنية أطول، وتمنع اضطرار المنتج إلى البيع في ذروة العرض. والبطاطا تحديدًا من
المحاصيل التي يمكن أن تستفيد من التخزين المتخصص إذا توفرت البنية التحتية
المناسبة والإدارة الفنية السليمة.
أما التصنيع الغذائي،
فيمثل الحلقة التي يمكن أن تنقل القطاع من بيع المحصول كمنتج خام إلى بناء قيمة
مضافة حوله. البطاطا التصنيعية يمكن أن تتحول إلى منتجات مجمدة ومصنعة تدخل السوق
المحلي والتصدير، وهو توجه أعلنت الشركة نفسها عن العمل عليه، بما في ذلك اتفاقيات
لتوريد البطاطا التصنيعية وإنشاء صناعات مرتبطة بها.
وهذا يقود إلى قاعدة
أساسية في الاستثمار الزراعي: لا يجوز أن يسبق الإنتاجُ التخزينَ والتصنيعَ
والتسويقَ، بل يجب أن تسير هذه الحلقات بالتوازي.
فإذا كان هناك قرار
بزراعة آلاف الدونمات، يجب أن يكون معه تصور واضح لحجم الإنتاج المتوقع، والطاقة
التخزينية المتاحة، والقدرة التصنيعية، والأسواق المستهدفة، والكميات التي يمكن
تسويقها محليًا أو تصديرها. عندها فقط يمكن معرفة الجدوى الحقيقية للمشروع قبل ضخ
المزيد من الأموال فيه.
ولا يتعلق الأمر بشركة
الضمان وحدها؛ فالفائض الزراعي عادة ما ينتج عن مجموعة عوامل، منها زيادة المساحات
وتداخل العروات وتغير الأسعار وضعف التنسيق وغياب المعلومات الدقيقة، إضافة إلى
محدودية التخزين والتصنيع والتسويق.
غير أن الاستثمار
المؤسسي الكبير يفرض مسؤولية أكبر في التخطيط، لأن تأثير قراراته لا يتوقف عند
حدود المشروع. فعندما تدخل مؤسسة تمتلك إمكانات مالية كبيرة في إنتاج محصول ينافس
فيه آلاف المزارعين، تصبح دراسة أثر هذا الإنتاج على السوق جزءًا أساسيًا من دراسة
الجدوى نفسها.
ومن هنا، فإن المطلوب
ليس إبعاد الاستثمار المؤسسي عن الزراعة، بل توجيهه بصورة أكثر تكاملًا. فبدل أن
تتركز الاستثمارات الكبيرة على إنتاج المحاصيل ذاتها التي ينتجها المزارعون، يمكن
توجيه جزء أكبر منها إلى التخزين والتبريد والتصنيع الغذائي والتعبئة والتدريج والتسويق
وفتح الأسواق وشراء الفائض من المزارعين.
بهذه المعادلة يمكن أن
تتحول المؤسسة الاستثمارية من منافس للمزارع إلى شريك له، ومن منتج إضافي في سوق
يعاني من الوفرة إلى جهة تساعد على استيعاب الإنتاج وتنظيم تدفقه ورفع قيمته.
كما أن تنظيم الإنتاج
لا يعني منع المزارع من الزراعة أو تحديد ما يزرعه، وإنما يعني توفير المعلومات
التي تمكن المنتج والمستثمر معًا من اتخاذ قرار أكثر دقة. قاعدة بيانات محدثة
للمساحات، والإنتاج المتوقع، والاستهلاك، والطاقة التخزينية، والقدرات التصنيعية،
والأسواق الخارجية، يمكن أن تكون أكثر فائدة للقطاع من أي قرار إداري منفرد.
وفي النهاية، لا تقاس
قوة الاستثمار الزراعي بعدد الدونمات المزروعة ولا بحجم الإنتاج وحده، وإنما
بقدرته على تحويل هذا الإنتاج إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
فالقرار الزراعي يحتاج
إلى مهندس إنتاج، وخبير اقتصاد زراعي، ومتخصص في تحليل الأسواق، وخبرات في التخزين
والتصنيع والتسويق، يعملون جميعًا ضمن منظومة واحدة.
المشكلة ليست في أن
ننتج أكثر، وإنما في أن نعرف قبل الزراعة ماذا سنفعل بكل ما ننتجه بعد الحصاد.

























