شريط الأخبار
العفو العام... كيف نحقق عدالة تحمي المجتمع ولا نغلق باب الإصلاح؟ رسالة إلى من يهمه الأمر.. أبو مرجوب: مكتسبات جديدة للعاملين في البريد الأردني ومطعم زهور الشفا ومتابعة حثيثة لنزاع عمالي في "أمنية" وآخر في "أرامكس" استطلاع الاستراتيجية: 33% من الاردنيين يرون أن الأمور تسير بالاتجاه الخاطئ الأردن " ضمن أعلى "10" دول عالميا في مجال التطور الرقمي الصادر عن اتحاد البريد العالمي الجامعة الأردنية تعانق السحاب: خمسون باحثًا يترسخون في قائمة الكبار عالميًا الانتخابات الفلسطينية: لماذا يجب ألا ننتظر موافقة الظروف؟ نحو مليوني فلسطيني في غزة يواجهون الشتاء بلا مأوى يحميهم الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مهن الإعلام والاتصال الرسمي الانتخابات الإسرائيلية (٥).. الزلزال القادم: الصهيونية الدينية تعيد تشكيل هويتها ؟ ايمان بني سلمان.. فارسة من محافظة عجلون في العمل العام والتطوعي انتخاب الحموري رئيساً للمجلس المركزي لحزب "مبادرة" السعودية تعلن إطلاق “عملية واسعة” ضد الحوثيين في اليمن الاتحاد الأردني للرياضات الإلكترونية ومركز زين للرياضات الإلكترونية يطلقان النسخة الثانية من بطولة ( زين ايسبورتس) للجامعات البرلمان العربي يؤيد مقترح عقد مؤتمر لمراجعة ميثاق الأمم المتحدة %96 من الأردنيين يؤيدون تقديم دعم مالي وأولوية للمنتجات الأردنية شهيد برصاص الاحتلال قرب مفرق النبي يونس في الخليل استطلاع: 91% من الأردنيين متفائلون بنجاح الناقل الوطني للمياه دوريات جوالة ومخالفات مباشرة لحظر الاراجيل في الحدائق العامة البنك الدولي: تقدم أردني في الإصلاحات الاقتصادية والبيئية وتعزيز الاستثمار

كيف سيتعامل الأردن مع الأدوار المتغيرة بالإقليم؟

كيف سيتعامل الأردن مع الأدوار المتغيرة بالإقليم؟

 


 

راكان السعايدة

لا شيء في الشرق الأوسط سيبقى على حاله، كل شيء فيه يصاغ ويعاد تشكيله من جديد؛ أوزان الدول ونفوذها وأدوارها، وإلى أن ينتهي ذلك، فإن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأمور، من سيربح ومن سيخسر.

لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن تقف الدول متفرجة، وتنتظر أن تعرف موقعها في الإقليم الجديد، فحماية مصالحها تلزمها الاشتباك مع المتغيرات، وإلا سيحدد لها الفاعلون الآخرون ذلك؛ المصالح والمكانة والوظيفة والدور.

 

أين الأردن من ذلك..؟

لا بد أن الأردن يقيّم ويفهم متغيرات الإقليم، ويعلم أن المحافظة على موقعه في الترتيبات الجديدة يحتاج منه أن يحسم مسألتين مهمتين وملحّتين في آن:

الأولى: هل وظيفته التقليدية ودوره، ما يزالان قائمين كما عرفهما من قبل؟ أم أن تسارع متغيرات الإقليم تدعوه إلى إعادة تعريف الوظيفة وإعادة إنتاج الدور..؟

والأخرى: هل مؤسساته، على ما هي عليه الآن، مدركة لعمق المتغيرات ومستوعبة إياها، وقادرة على إعادة التكيف للتعامل مع أدوار جديدة؟

هذه أسئلة ضرورية، وإجابتها كذلك، لأنها الأساس الموضوعي لفهم واقع الأردن حاضراً، وما يمكن أن يكون عليه مستقبلاً.

تاريخياً، كان الأردن، بحكم الجغرافيا، نقطة ارتكاز مهمة في أمن الإقليم واستقراره وتوازناته، فموقعه المتوسط بين السعودية والعراق وسوريا وفلسطين و"إسرائيل"، وعلى تقاطع أقاليم، فرض عليه وظائف وأدواراً لم تكن منفصلة عن موقعه الجغرافي، ولا عن طبيعة الإقليم من حوله.

أيّ أن جغرافية الأردن، وإن جعلته "دولة عازلة" بين أزمات وصراعات المنطقة، فهي ذاتها جعلته بوابة بين أهم دول الإقليم، وحليفاً موثوقاً للغرب، ووسيطاً مؤثراً في ملفات إقليمية.

جغرافية الأردن لم تكن مجرد حدود مرسومة على خريطة، وإنما كانت، في بعض أهم جوانبها أحد المصادر التي منحت عمّان دوراً ومكانة، وسبباً لشبكة تحالفات وعلاقات إقليمية ودولية واسعة.

ولهذا، ربما، شكّل عدم استقرار الإقليم، دافعاً لأن يكون الأردن آمناً ومستقراً كحاجة خارجية.. بمعنى أن المسألة لم تكن شأناً أردنياً خالصاً، بل جزءاً من معادلة أشمل تتعلق بأمن الإقليم واستقراره.

بقي الحال هكذا، إلى أن بدأت تحولات كبرى مع "طوفان الأقصى"، الذي شكل مفصلاً رئيسياً أدخل المنطقة مرحلة مختلفة، ما تزال تداعياتها تتفاعل.

يفهم الأردن هذا تماماً، ويفهم أن ما يحدث من تحولات وصراعات متسلسلة تمتد آثارها لتطاول الجميع، وأن الإقليم الذي يعاد تشكيله، قد ينتهي إلى جغرافيا سياسية مختلفة، تتبدل فيها أوزان الدول ومواقعها والمهام التي كانت تؤديها.

لأن الشرق الأوسط الذي أنتج هذه الوظائف وتلك الأدوار لم يعد هو نفسه.

ألا نرى أن سوريا تتغير وتسعى إلى أن تكون لاعباً، والعراق حائر يحاول تعريف موقعه الإقليمي، والخليج قلق ويريد إعادة ترتيب أولوياته ومراجعة شبكة علاقاته، وتركيا وجدت فرصتها لتتقدم في المنطقة، وإيران تحاول المحافظة على نفوذها وأدواته، وترى أن عندها فرصة لتصبح قوة إقليمية نافذة، "إسرائيل" المأزومة تعمل على تغيير الوقائع الإقليمية، سياسياً وأمنياً وجغرافياً، ليس أقلها في الضفة الغربية والقدس وغزة، والبيئة المحيطة بالأردن.

أيضاً، لم تعد أميركا تدير الإقليم بالطريقة التي اعتدناها، بل إن نفوذها آخذ بالتآكل التدريجي، وموقعها العالمي يتزعزع، في وقت تزداد أدوار قوى دولية متحفزة مثل الصين وروسيا.

الأصل أن هذه المعطيات، بما فيها من مفارقات، تبرهن لنا أن الأدوار والوظائف التي تشكلت في أوقات ومراحل سابقة ليست، بتقديري، هي ذاتها التي سيحتاجها الإقليم في المرحلة المقبلة.

 ذلك أن الصراع بين القوى الفاعلة لم يعد على الأراضي فقط، بل أيضاً على الممرات، وسلاسل الإمداد، ومصادر الطاقة، والعمق الاستراتيجي، ومواقع النفوذ.

وإلّا، كيف نفسر الصراع على سوريا بين تركيا و"إسرائيل"، والتنافس والصراع حول مضيق هرمز بين أميركا وإيران، والصراع في البحر الأحمر وباب المندب، وما تفعله "إسرائيل" في الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان؟.

ما نقصده هنا أن الدول الفاعلة والمؤثرة في الإقليم لا تنظر إلى متغيراته كمسألة عابرة، وإنما كمتغيرات جوهرية لا بد أن تشتبك معها لحماية مصالحها، وضمان أدوارها، ومنع خصومها من تحقيق مكاسب استراتيجية على حسابها.

وهذا، على الخصوص، ما يجب أن يقرأه الأردن بدقة في متغيرات الإقليم، ويضع لها تقييمات موضوعية وعميقة ليعرف كيف تتغير مصالح أطرافه، وكيف تنعكس تحركاتها على موقع الأردن ودوره.

إن فهم ما يحصل حولنا وإدراكه شرط ضروري لفهم إن كان دور الأردن الذي تشكّل عبر تاريخه ما يزال مناسباً للمرحلة الجديدة، أم أن بعض مكوناته آخذة بالتغير، وتحتاج أن نعيد تعريفها ومن ثم إنتاجها.

أي أن يتحول الأردن من التعامل مع موقعه الجغرافي كحقيقة تفرض عليه أدواراً، إلى ميزة وأصل استراتيجي يمكن توظيفه لبناء أدوار جديدة، يتم إنتاجها ذاتياً وليست مفروضة من خارجه.

فقط، المطلوب أن يعيد تقديم نفسه، ليس بوصفه دولة آمنة ومستقرة وضرورة في توازن الإقليم وحسب، وإنما باعتباره، أيضاً طريقاً موثوقاً للتجارة، وممراً آمناً للطاقة، وبيئة جاذبة للتكنولوجيا، وأرضاً واعدة للاستثمار، وعقدة للنقل والربط الإقليمي.

وكذلك، بوصفه مساحة آمنة ومستقرة بمقدورها أن تلعب دوراً في تخفيف آثار النزاعات والصراعات، ومساحة للوساطة والحوار، ومحوراً إجبارياً في أي ترتيبات إقليمية على أساس الاستقرار والتوازن والمصالح المشتركة.

 فالأردن ليس مجرد دولة حكمت عليها الجغرافيا أن تتلقى آثار تحولات الإقليم وتدير مخاطرها، وإنما دولة بمقدورها أن تدير، أيضاً، الفرص التي تتيحها هذه التحولات، وتحوِّل موقعها واستقرارها وعلاقاتها إلى قيمة استراتيجية يحتاجها الآخرون.

ما الذي يقتضيه ذلك أردنياً..؟

ببساطة، إن إعادة تعريف الأردن لدوره وتقديم نفسه للمنطقة والعالم بمفهوم جديد، يحتاج أمرين:

أولاً: بيئة سياسية واقتصادية داخلية داعمة، وخطاب سياسي متماسك وقوي، ودبلوماسية نشطة ومبادِرة تعرض ما يستطيع أن يقدمه انطلاقاً من موقعه واستقراره وقدراته.

وثانياً: مؤسسات تلتقط المتغيرات وتستوعب تداعياتها، وعلى أساس من ذلك تعيد تعريف مهمتها وتحديد خياراتها وأدواتها الجديدة.

بمعنى: أن تكون المؤسسات قادرة على الانتقال من مفهوم وعقلية إدارة الدور القائم، إلى مفهوم وعقلية إنتاج الدور الذي تحتاجه المرحلة المقبلة.

ولكن من دون أن نخطئ التقدير ونعتقد أن الأردن مُطالب بترك أو إلغاء دوره التقليدي، أو أن يتنصل من موقعه الجغرافي، لكنه يحتاج أن يجيب سؤالاً: هل ما كان مطلوباً منه في الواقع الإقليمي السابق، هو نفسه ما سيُطلب منه في الإقليم قيد التشكل الآن؟

إذا كانت الإجابة "لا"، فإن إعادة تعريف الدور تصبح ضرورة ملحة، لا خياراً يمكن تجاهله..

فالأصعب، ولن أقول الأخطر، ليس في أن يتغير الإقليم، بل في بقاء الأردن يتعامل معه بذات الأدوات والأفكار والتصورات السابقة.