تحليل إخباري: موقع دمشق من القضية الفلسطينية.. امتثال لمحاذير واشنطن وتماهي مع النظام الرسمي العربي
صارت القضية الفلسطينية
عبئا ثقيلا على النظام الرسمي العربي الذي انضمت إليه سوريا بنسختها الجديدة.
وأصبحت هذه النسخة من
الرفض بصمت أوضح من أي بيان الانتصار لفلسطين ميدانيا ولوجستيا وحتى إعلاميا وترفض
حتى المتاجرة باسمها على نحو ما كان يفعل نظام الأسد كما يقول خصومه رغم أنها
القضية التي طالما اتخذت وعلى مر التاريخ موقعها الأثير في وجدان السوريين.
هي إذا الواقعية السياسية
التي تسمي الأمور بمسمياتها فلا تتردد في تغييب أخبار الإبادة في غزة عن تغطية
الإعلام الرسمي السوري ثم تستحضره على نحو استثنائي حين تصيب المقاومة انتكاسة.
سبق ذلك إسقاط لذكر
فلسطين من خطابات النصر والإعلان الدستوري ومؤتمر الحوار الوطني فكل استحضار لها
خارج قواعد اللعبة التي حفظتها القمم العربية عن ظهر قلب سيواجه بالمزيد من
العقوبات وقد يعيد العزلة الدولية لسوريا على نحو أشد إيلاما.
والرئيس السوري أحمد
الشرع كان واضحا جدا في الربط ما بين بقاء بلاده في قائمة الدول الراعية للإرهاب
واحتضان الفصائل الفلسطينية في دمشق فاختار الخيار الأسهل الذي لم يكلفه غير
الإيحاء الذي لا يحتاج من يتلقفه من قادة الفصائل الفلسطينية إلى الكثير من
النباهة وهم الذين أدمنوا التهجير بنسختيه الإسرائيلية ثم العربية.
أما القول بأن الانفتاح
على الغرب والمحيط الإقليمي بات أهم من الانتصار لقضية مستعصية على الحل فلم يجد
من يرفع الصوت اعتراضا عليه من السوريين وإن احتفظوا في قلوبهم بالكثير من
الاستنكار فالأولوية اليوم في سوريا باتت الانتصار في معركة البطون الخاوية التي
تراجعت فلسطين عن سلم أولوياتها دون أن تتراجع محبتها في القلوب.
تم التضييق علينا
يؤكد مفكر فلسطيني أن
سوريا لم تعد تلك المنصة التي يمكن الانطلاق منها لنصرة فلسطين على أي مستوى من
المستويات السياسية واللوجستية وحتى الإعلامية وأن النظام الجديد في دمشق يدرك
جيدا أن أي اقتراب من فلسطين سيكلفه الكثير فاختار أن ينأى بنفسه عنها كما فعلت
أغلب الأنظمة العربية.
وأشار المفكر الفلسطيني
الذي طلب عدم الكشف عن اسمه في حديثه لـRT إلى
مغادرة قادة الفصائل الفلسطينية التي كان يدعمها النظام السابق وإيران، العاصمة
السورية دمشق، بعدما مارست الحكومة السورية الحالية الكثير من التضييق عليها
ومصادرة ممتلكاتها لافتا إلى أن الفصائل الفلسطينية سلمت سلاحها بالكامل إلى
السلطات السورية بعد سقوط نظام الأسد.
كما أن هذه السلطات أوقفت
مجموعة من قادة هذه الفصائل مثل طلال ناجي، وهو الأمين العام لـ"الجبهة
الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة"، الذي كان مقربا من نظام الأسد
والقياديين في الجناح العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي" وهما مسؤول
الساحة السورية خالد خالد، ومسؤول اللجنة التنظيمية ياسر الزفري، كما وضعت قادة
عدد من الفصائل الفلسطينية الذين قاتلوا إلى جانب النظام تحت الإقامة الجبرية في
دمشق، ومن بينهم محمد سعيد (قائد لواء القدس الفلسطيني).
وشدد المفكر الفلسطيني
على أن واشنطن ومنذ لحظة سقوط نظام الأسد وربما قبل ذلك بكثير فرضت على الحكومة
السورية الجديدة واقعا يقول بأن تطبيع علاقاتها مع واشنطن وكسر عزلتها على المستوى
الدولي سيكون من بوابة التنكر للقضية الفلسطينية وهو الأمر الذي أشارت إليه مجلة
"المجلة" السعودية التي سبق وذكرت ثمانية شروط أمريكية لرفع العقوبات عن
سوريا وإعادة العلاقات الدبلوماسية معها ومن بينها "إصدار إعلان رسمي عام
يحظر جميع الميليشيات الفلسطينية والأنشطة السياسية وترحيل أعضائها لتهدئة المخاوف
الإسرائيلية".
وهو الأمر الذي استدعى في
حينه ردا من الرئيس الشرع عبر رسالة من أربع صفحات وجهها إلى الولايات المتحدة،
نشرتها "رويترز"، جاء فيها أن الشرع شكّل لجنة "لمراقبة أنشطة
الفصائل الفلسطينية"، وأنه لن يسمح للفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة
بالعمل وهو ما تم التعهد به أثناء لقاء الشرع ترامب في الرياض (مايو 2025) حيث خطت
دمشق خطوات واضحة نحو إسرائيل مقابل رفع العقوبات عنها من خلال طرد قادة فصائل
فلسطينية والتضييق على نشاطاتها ومنع تهريب السلاح الإيراني إلى "حزب
الله" وإظهار النيات الحسنة حيث فهم السوريون جيدا أن انفتاح العالم عليهم
سيكون عبر البوابة الإسرائيلية.
ولفت المفكر الفلسطيني
إلى أن الإعلام الخليجي وخاصة السعودي كان منحازا لإسرائيل أثناء حرب الإبادة في
غزة أما الإعلام السوري وبعد مدة قصيرة من وصول "هيئة تحرير الشام" إلى
السلطة فقد توقف بشكل شبه كلي عن تغطية الأخبار الفلسطينية بل وراح يحاكي قناة
"العربية" السعودية في تهويلها على خسائر المقاومة الفلسطينية التي
يفترض أن عمودها الفقري أي حركة "حماس" تتقاطع عقائديا مع "هيئة
تحرير الشام" التي تحكم دمشق اليوم مشيرا إلى أن الرئيس الشرع امتنع عن
التواصل مع فصائل المقاومة الفلسطينية بما فيها "حماس" التي هنأت الشعب
السوري بسقوط الأسد.
فيما اختار التواصل مع
حكومة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي استقبله في دمشق باعتبارها الحكومة
المعترف بها دوليا والتي لا تغضب العلاقة بها أيا من واشنطن أو تل أبيب.
وختم المفكر الفلسطيني
حديثه لموقعنا بالإشارة إلى أن السلطات في دمشق تريد أن تلقي بالقضية الفلسطينية
عن كاهلها استرضاء لواشنطن على الرغم من أن سردية الثورة السورية بنيت على اتهام
النظام السوري السابق بالعمالة لإسرائيل والمتاجرة بالقضية الفلسطينية كما أن
الشرع وعد بالوصول إلى القدس لكنه على ما يبدو يريد الوصول إليها على طريقة أنور
السادات.
لن نخرج عن الإجماع
العربي
في المقابل يرى الكثير من
المدافعين عن الحكومة السورية أن وجود مرجعية عربية رسمية للقضية الفلسطينية
وإجماع عربي على حل الدولتين يقطع الطريق على أي محاولة لوسم نظام الرئيس الشرع
بأنه قد تنكّر للقضية الفلسطينية.
وأكد المحلل السياسي
السوري جمال رضوان أن التموضع خلف الشعارات سيهوي بسوريا كما فلسطين إلى قاع سحيق
فيما يبدو الخيار الواقعي المتمثل في الانفتاح السوري على المجتمع الدولي والحفاظ
على دعم القضية الفلسطينية من موقع عربي موحد قادر على تحمل الضغط الأمريكي أجدى
لكل من سوريا وفلسطين.
وأوضح رضوان في حديثه لـRT بأن سوريا بواقعها الحالي لا تستطيع أن تتحمل لوحدها تبعات الصدام مع
واشنطن من أجل فلسطين سيما وأن الجيش الإسرائيلي يمارس الانتهاكات اليومية بحق
السيادة الوطنية السورية ويحتل المزيد من الأراضي ومع ذلك فإن السياسة السورية
المعلنة تتحدث عن الصبر الاستراتيجي واستغلال علاقات دمشق الوطيدة مع واشنطن
والاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل التي تتوعد الحكومة
السورية بشكل يومي.
وأضاف بأن الذين يقولون
بأن الرئيس الشرع تنكر للقضية الفلسطينية وضيق على الوجود الفلسطيني في سوريا ومنع
الفصائل الفلسطينية من النشاط انطلاقا من الأراضي السورية عليهم أن ينظروا إلى
الجانب الآخر من الموضوع الذي يقول بأن الرئيس الشرع لم يتاجر بالقضية الفلسطينية
كما فعل الأسد بل كان واضحا لجهة حديثه عن مقاربة القضية الفلسطينية من زاوية
عقلانية تتقاسم فيها سوريا النظرة إلى فلسطين مع أخوتها العرب انطلاقا من المبادرة
العربية التي أطلقت في قمة بيروت عام 2002 وعاد الرئيس الشرع لإسناد فلسطين عندما
رفض في كلمته أثناء القمة العربية الأخيرة وبشكل قطعي تهجير الفلسطينيين من غزة.
احترام القرار الوطني
الفلسطيني
يرى جابر موسى وهو أحد
كوادر حركة "فتح" الفلسطينية أن السياسة السورية الجديدة تجاه فلسطين
شهدت قفزة نوعية مع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى سدة الحكم.
وأوضح موسى في حديثه لـRT أن فلسطين لم تعد بالنسبة للسياسة السورية الجديدة ورقة ضغط وابتزاز
تمارسها دمشق على دول في الإقليم بل إن هذا الملف انتقل بكليته إلى الحكومة
الفلسطينية المعترف بها على مستوى العالم عندما اختارت دمشق احترام القرار الوطني
الفلسطيني وعدم التدخل فيه خلافا لما كان الأسد يفعل.
وأضاف بأن دمشق راحت تدعم
إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وهو ما يذهب إليه العرب ومعهم الشرعية
الفلسطينية التي يمثلها الرئيس محمود عباس وبدلا من اتباع سياسات التدخل والوصاية
والإملاء وتقوية طرف فلسطيني على آخر اختارت دمشق الانحياز إلى الجهود العربية
لأجل تحقيق المصالحة الفلسطينية ودعم مبادرات القاهرة وعمان في هذا السياق.
وأضاف موسى أنه وفي هذا
السياق فإن النظام الجديد في سوريا رفض دخول سياسة المحاور فلم يعد في حسبانه
تقديم الأراضي السورية لبعض الفصائل الفلسطينية من أجل أن تصوب على القرار
الفلسطيني الواحد بل صار هناك انفتاح على كل الأطراف الفلسطينية فلا احتكار لطرف
ضد طرف آخر. ودون أن يعني ذلك التخلي عن إسناد القضية الفلسطينية بل احتضانها بشكل
مختلف يراعي التطورات الإقليمية والدولية ويلتزم المرجعية العربية للقضية
الفلسطينية التي لا بد أن تصل إلى نتيجة ما في نهاية المطاف.
العلاقة مع حماس
يتطلع الكثير من السوريين
والفلسطينيين لفهم شكل العلاقة التي يمكن أن تجمع حركة "حماس" مع
القيادة السورية القادمة من خلفية جهادية إسلامية.
وفي هذا السياق يرى
الداعية الإسلامي حذيفة الضاهر في حديثه لـRT أن
التقاطع في الخلفية العقائدية لا يعني بالضرورة الاتفاق على ملامح العمل السياسي
المشترك تجاه القضية الفلسطينية.
فالعلاقة التي لا تزال
تجمع "حماس" بإيران تشكل عقبة كبيرة في وجه التقارب السوري الفلسطيني
كما أن القيادة السورية لا تستطيع تحمل تبعات العلاقة مع حركة "حماس" في
ظل الرفض الأمريكي والدولي لسياستها وامتهانها العمل المسلح ضد إسرائيل خلافا
للسياسة السورية التي تؤثر الدبلوماسية في معالجة الغطرسة الإسرائيلية.
وأشار الداعية الإسلامي
إلى أن حصول "حماس" على علاقات دافئة مع القيادة السورية الجديدة يأتي
من بوابة قطع العلاقة مع إيران و"حزب الله" بشكل نهائي كما أن انضواء
"حماس" تحت القرار الفلسطيني الموحد بغطائه العربي الجامع سيجعل هذا
الأمر أكثر سهولة وأكثر قبولا من جانب القيادة السورية.
في المقابل يرى مراقبون
أن "حماس" و"هيئة تحرير الشام" ستتفقان في نهاية المطاف
لأنهما وجهان لعملة جهادية واحدة وتتخذان من البراغماتية السياسية سبيلا إلى تحقيق
الأهداف فالتقلبات السياسية لحماس مع النظام السابق ثم الانقلاب عليه ثم الانقلاب
على هذا الانقلاب ثم المباركة للشعب السوري بسقوطه مع الحفاظ على علاقات قوية مع
إيران لا تختلف عن التقلبات السياسية للحكومة السورية الحالية التي عابت على نظام
الأسد عدم فتح جبهة الجولان وبنت سرديتها الجهادية على فكرة الوصول إلى القدس قبل
أن تتقلب بشكل نهائي على هذه السردية وتصبح العلاقة مع واشنطن المجاز الأسهل
للبقاء في السلطة.
المصدر: RT
























