بلطجة نتنياهو.. خطاب تكذبه الوقائع
جودت مناع
لم يكن خطاب بنيامين
نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد عرض للمواقف السياسية
الإسرائيلية، بل محاولة جديدة لإعادة صياغة رواية الحرب الجارية في فلسطين وتقديم
إسرائيل بوصفها الضحية الوحيدة في الصراع. غير أن مراجعة الوقائع والأرقام الصادرة
عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تكشف فجوة واسعة بين ما قاله نتنياهو من على
منبر الأمم المتحدة وما يجري على الأرض في غزة والضفة الفلسطينية والقدس المحتلة.
أبرز ما سعى نتنياهو
إلى ترسيخه هو نفي الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب جرائم حرب أو أعمال يمكن
أن ترقى إلى الإبادة الجماعية في قطاع غزة. لكنه تجاهل أن القضية ما تزال مطروحة
أمام محكمة العدل الدولية، وأن الأمم المتحدة ومؤسساتها الإنسانية تواصل التحذير
من كارثة إنسانية غير مسبوقة. كما تجاهل أن الأمين العام للأمم المتحدة أكد قبل
أيام أن المعاناة الإنسانية في غزة بلغت مستويات صادمة وأن وصول المساعدات
الإنسانية ما يزال يواجه قيوداً خطيرة.
وتوقف نتنياهو مطولاً
عند ما وصفه بـ"أخلاقية الجيش الإسرائيلي"، غير أن الوقائع الميدانية في
الضفة الفلسطينية تقدم صورة مختلفة. فالأمم المتحدة وثقت خلال العام الحالي
مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، شملت القتل والإصابة وإحراق
المنازل والمركبات وتخريب الممتلكات والاعتداء على الأراضي الزراعية. وتشير
البيانات الأممية إلى تسجيل أكثر من 1400 اعتداء للمستوطنين خلال عام واحد، وهو
الرقم الأعلى منذ بدء توثيق هذه الاعتداءات.
ولم يكتف نتنياهو
بالتقليل من شأن إرهاب المستوطنين، بل حاول تصويره وكأنه مجرد حوادث فردية معزولة.
غير أن الأرقام الموثقة تكشف أن الأمر يتعلق بسياسة متواصلة ومنهجية. فقد أصيب
مئات الفلسطينيين خلال العام الحالي في اعتداءات نفذها مستوطنون، فيما اضطرت
تجمعات فلسطينية بأكملها إلى مغادرة أراضيها نتيجة التهديدات المتكررة والاعتداءات
المسلحة بحماية ومشاركة جيش الاحتلال. ولم تعد قضية عنف المستوطنين مسألة خلاف
سياسي، بل أصبحت بنداً دائماً في تقارير الأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان
الدولية.
أما في ما يتعلق بالضفة
الفلسطينية، فقد تجاهل نتنياهو الأرقام المرتبطة بالضحايا الفلسطينيين. فمنذ
السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 استشهد أكثر من ألف فلسطيني في الضفة
الفلسطينية، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء، نتيجة عمليات الجيش الإسرائيلي
أو اعتداءات المستوطنين الإرهابية. كما شهدت مدن ومخيمات الضفة عمليات اقتحام
متكررة وعمليات هدم واسعة للمنازل والبنية التحتية وفرض قيود مشددة على الحركة
والتنقل.
وفي معرض حديثه عن
السلام والاستقرار، لم يأت نتنياهو على ذكر التوسع الاستيطاني المتسارع الذي
تعتبره الأمم المتحدة غير قانوني بموجب القانون الدولي. فبينما كان يتحدث من على
منصة الجمعية العامة، كانت عمليات مصادرة الأراضي وشق الطرق الاستيطانية وتوسيع
المستعمرات مستمرة في أنحاء الضفة الفلسطينية والقدس المحتلة. وقد حذر الأمين
العام للأمم المتحدة من أن الاستيطان يشكل تهديداً وجودياً لحل الدولتين ويقوض فرص
التوصل إلى سلام عادل ودائم.
كما حاول نتنياهو تصوير
الانتقادات الدولية لإسرائيل على أنها حملة سياسية معادية، متجاهلاً أن معظم هذه
الانتقادات تصدر عن مؤسسات أممية وهيئات قانونية وحقوقية دولية تعتمد على تقارير
ميدانية ووثائق وشهادات موثقة. فحين تتحدث الأمم المتحدة عن عنف المستوطنين أو عن
التهجير القسري أو عن التوسع الاستيطاني، فإنها تستند إلى وقائع ميدانية موثقة لا
إلى مواقف أيديولوجية أو سياسية.
لقد بدا خطاب نتنياهو
أقرب إلى خطاب بلطجي تعبوي موجه إلى جمهوره الداخلي وحلفائه السياسيين منه إلى
خطاب يسعى إلى معالجة جذور الصراع. فبدلاً من الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها
المجتمع الدولي بشأن الاحتلال والاستيطان والضحايا المدنيين، اختار إعادة إنتاج
الرواية الإسرائيلية التقليدية الكاذبة التي تنفي المسؤولية وتلقي اللوم بالكامل
على الطرف الآخر.
لكن الوقائع تبقى أكثر
قوة من الخطابات. فالأرقام المتعلقة بالضحايا الفلسطينيين، والتقارير الأممية حول
الاستيطان، والتحذيرات الدولية من الكارثة الإنسانية في غزة، كلها تشير إلى أن
المشكلة الأساسية لا تكمن في الرواية التي يقدمها نتنياهو للعالم، بل في الواقع
الذي يعيشه الفلسطينيون يومياً تحت الاحتلال وفي ظل استمرار الحرب والاستيطان
والتهجير.
وإذا كان منبر الأمم
المتحدة قد منح نتنياهو فرصة لتكرار روايته، فإن الوقائع الموثقة على الأرض تواصل
تقديم رواية أخرى أكثر إقناعاً؛ رواية شعب يدفع يومياً ثمن الاحتلال والاستيطان
والحرب، فيما تتزايد الدعوات الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان
احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























