تفكيك اكاذيب نتنياهو: من مسرح الأمم المتحدة إلى وثائق التواطؤ السياسي
د حيدر البستنجي
تعد الخطابات الدولية
لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نموذجًا صارخًا للتضليل السياسي وبناء
السرديات الزائفة. وفي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاول
الهروب من عزلته الدولية ومن ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية عبر تكرار مغالطات
فندتها الأرقام والتحقيقات المستقلة ، حتى تلك الصادرة من داخل الكيان الإسرائيلي
نفسه.
نعرض في هذا المقال
مقاطع محددة من خطابه نفندها بالأرقام والإحصائيات الموثقة، مع تسليط الضوء على
الجانب الأكثر خطورة: تواطؤه المسبق واستغلاله السياسي لأحداث السابع من أكتوبر.
أولاً: تفنيـد مقاطع
الخطاب بالأرقام والإحصائيات
1. حول تهمة الإبادة والمساعدات الإنساني
* ماذا قال نتنياهو؟"أي نظام إبادي يدخل
مليوني طن من الغذاء إلى غزة، أي طن لكل شخص، ويقدم مليون جرعة لقاح ضد شلل
الأطفال؟ إن تهمة الإبادة الجماعية هي أكبر كذبة في هذا القرن".
* التفنيد والواقع : الرقم المتعلق بأطنان الأغذية
مصدره الرقابة العسكرية الإسرائيلية ولم يتم التحقق منه دوليًا. في المقابل، أكد التصنيف
المرحلي المتكامل للأمن الغذائي(IPC) المدعوم أمميًا وقوع
مجاعة حقيقية وحادة في مناطق قطاع غزة. أما حملات التطعيم، فقادتها منظمة الصحة
العالمية واليونيسف والأونروا، واقتصر دور إسرائيل على عرقلتها ثم الرضوخ لهدن
مؤقتة تحت الضغط الدولي. تفيد الإحصائيات الرسمية لوزارات الصحة والمنظمات الأممية
بأن العدوان الإسرائيلي خلف أكثر من 74,000 شهيد ونحو 175,000 جريح، معظمهم من
الأطفال والنساء، فضلًا عن تدمير بين 70% إلى 80% من البنية التحتية والمباني
السكنية في القطاع، وهو ما دفع لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق
الإنسان للتأكيد على أن إسرائيل ارتكبت أفعالًا صريحة تقع ضمن تعريف "الإبادة
الجماعية".
2. حول عنف المستوطنين في الضفة الغربي
* ماذا قال نتنياهو؟"إن العنف في الضفة
الغربية ناتج عن 'حفنة من الأحداث' وعدد محدود من المراهقين المنحرفين...
الإسرائيليون في الضفة هم مستوطنون مسالمون وأناس شرفاء يحترمون القانون".
* التفنيد والواقع : تُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة
لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا - OCHA) كذب هذا الادعاء؛ إذ ارتفعت هجمات المستوطنين لتسجل 1,835 هجوماً
ممنهجاً. وخلال الأشهر الأولى من العام الجاري وحده، بلغ معدل الاعتداءات 190
هجوماً شهرياً. هذا الإرهاب الاستيطاني المدعوم من وزراء في حكومة نتنياهو أدى إلى
تهجير 123 تجمعاً فلسطينياً كلياً أو جزئياً، وأسفر عن سقوط عشرات الشهداء برصاص
المستوطنين وحماية جيش الاحتلال.
3. إعادة تدوير روايات "حرق الأطفال
* ماذا قال نتنياهو : أعاد نتنياهو استحضار القصص العاطفية حول "حرق أطفال وقطع رؤوس
الرضع" في أحداث السابع من أكتوبر لاستدرار عطف المجتمع الدولي.
* التفنيد والواقع: دحضت تحقيقات صحيفة "هآرتس"
الإسرائيلية، المستندة إلى بيانات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية وقادة الكيبوتسات
والشرطة، هذه الروايات كلياً. وأكدت التقارير الرسمية عدم وجود أي دليل على قطع رؤوس
الرضع أو حرقهم أحياء، واعتبرت وسائل إعلام غربية كبرى أن تلك الروايات كانت
بروبغاندة موجهة صاغتها منظمات مثل "زاكا" لشرعنة العنف اللاحق ضد غزة.
ثانياً: تواطؤ نتنياهو
ومعرفته المسبقة بالسابع من أكتوبر
أثبتت التحقيقات
الاستقصائية والصحفية أن فرضية "المفاجأة المطلقة" التي روج لها نتنياهو
لم تكن سوى غطاء سياسي. وقد كشفت تحقيقات استقصائية موسعة نشرتها صحيفة
"هآرتس" ووكالات دولية مثل CNNونيويورك تايمز، عن أن
تحذيرات عدة وصلت إلى القيادة الاسرائيلية من جهات عربية ودولية قدمت
تحذيراً صريحاً ومباشراً بأن حماس و السنوار تحديدا المسؤول الأول في غزة
يخططون لعملية ضخمة وقد واجه نتنياهو التحذير بهدوء شديد، معقباً بأن
تقديراته تشير إلى أن حماس تركز جهودها على الضفة الغربية. والأخطر من ذلك، أن
نتنياهو تعمد عدم إطلاع قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية (الشين بيت والجيش) على
فحوى هذا التحذير المباشر ليتعاملوا معه.
و لم يكن التغاضي عن
هذه التحذيرات مجرد فشل استخباراتي، بل ارتبط باستراتيجية سياسية نفعية اتبعها
نتنياهو لعدة أهداف:
1. الهروب من السجن والمساءلة القضائية: قبل السابع
من أكتوبر، كان نتنياهو يواجه أزمة داخلية غير مسبوقة وانقساماً مجتمعياً حاداً
جراء "التعديلات القضائية"، بالإضافة إلى محاكمته الجنائية بتهم الفساد
والرشوة وخيانة الأمانة. وجد نتنياهو في "حالة الحرب" الممتدة وسيلة
مثالية لتأجيل محاكمته وتجميد الاحتجاجات ضده تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت
المعركة".
2. استراتيجية "إبقاء حماس": اعتمد
نتنياهو طوال عقد من الزمن على سياسة "تغذية الانقسام" الفلسطيني، عبر
السماح بدخول الأموال إلى غزة لإضعاف السلطة الفلسطينية في رام الله، ليكون تبريره
الدائم أمام المجتمع الدولي: "ليس هناك شريكاا فلسطينيا يمكن التفاوض معه
لإقامة دولة". هذا التكتيك انقلب كارثياً في السابع من أكتوبر.
3. إطالة أمد الحرب لضمان البقاء: يدرك نتنياهو أن
أي وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسية سيعقبها فوراً تشكيل "لجنة تحقيق رسمية
مستقلة" حول الفشل الأمني، وهي اللجنة التي يتهرب من تشكيلها حتى الآن لأنها
ستعني نهاية حياته السياسية. لذا، يتعمد إفشال المفاوضات وتوسيع جبهات الحرب لضمان
استمرار حكومته لأطول فترة ممكنة.
في النهاية إن خطاب
نتنياهو أمام الأمم المتحدة، والذي شهد انسحاب وفود عشرات الدول تعبيراً عن رفض
أكاذيبه، هو محاولة لإخفاء حقيقة أن الضحية الحقيقية هي الشعب الفلسطيني الذي يدفع
ثمن آلة الحرب الإسرائيلية. وفي ذات الوقت، تكشف الوثائق والتحقيقات أن نتنياهو
قامر بأمن الجميع، ووظف دماء المدنيين كرافعة سياسية لحماية نفسه من السجن والبقاء
في سدة الحكم.

























