الحزب الشيوعي العراقي في العهد الملكي: من الخلايا السرية إلى قوة في الشارع
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
عندما سقط النظام
الملكي العراقي في 14 تموز 1958، لم يكن الحزب الشيوعي العراقي هو الذي نفذ الحركة
العسكرية، ولم يكن عبد الكريم قاسم شيوعياً. ومع ذلك كان الحزب يومها واحداً من
أكثر القوى السياسية العراقية تنظيماً، وله حضور بين العمال والطلبة والمثقفين وفي
عدد من المدن.
فكيف وصل حزب محظور،
يعمل في معظم سنواته بصورة سرية، إلى هذه المكانة؟ وكيف تعاملت معه الحكومات
الملكية منذ نشأته حتى سقوط النظام؟
البدايات قبل تأسيس
الحزب
بدأت الأفكار الماركسية
تنتشر في العراق منذ عشرينيات القرن العشرين، وبرز اسم حسين الرحال ضمن مجموعة من
المثقفين الشباب الذين ناقشوا قضايا الطبقات والعدالة الاجتماعية والاستعمار.
ثم ظهرت حلقات ماركسية
في بغداد والبصرة والناصرية، قبل أن تتوحد في 31 آذار 1934 ضمن تنظيم مركزي حمل في
بدايته اسم «لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار»، وهو التاريخ الذي يعتبره الحزب
الشيوعي العراقي تاريخ تأسيسه الرسمي. (iraqicp.com)
ويؤكد المؤرخ حنّا
بطاطو أن ظهور الحزب لا يمكن تفسيره فقط بتأثير الاتحاد السوفييتي، بل يجب ربطه
أيضاً بواقع اجتماعي عراقي شهد تفاوتاً كبيراً في ملكية الأرض، ونمو طبقة عمالية
جديدة، وظهور فئات متعلمة معارضة للنفوذ البريطاني وللبنية الاجتماعية التقليدية.
ويعد كتابه The
Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq من أهم المراجع لفهم هذه المرحلة. (books.google.com)
فهد وبناء التنظيم
برز يوسف سلمان يوسف،
المعروف باسم فهد، بوصفه الشخصية الأهم في تاريخ الحزب خلال الأربعينيات.
أعاد بناء التنظيم،
ورسخ نظاماً مركزياً أكثر انضباطاً، ووسع نشاطه بين العمال والطلبة وبعض شرائح
الطبقة الوسطى. وفي عام 1945 انعقد المؤتمر الوطني الأول للحزب وانتُخب فهد
سكرتيراً عاماً. (iraqicp.com)
وبحلول منتصف
الأربعينيات، لم يعد الحزب مجرد تجمع فكري؛ بل أصبح تنظيماً سرياً قادراً على
تعبئة قطاعات من الشارع.
لماذا وجد الحزب قاعدة
اجتماعية؟
كانت هناك بيئة ساعدت
على انتشاره.
فالعراق الملكي كان
يشهد تفاوتاً واضحاً بين كبار ملاك الأراضي والفلاحين، ونمواً في العمالة المنظمة
في السكك الحديدية والموانئ والنفط، إضافة إلى حساسية واسعة تجاه استمرار النفوذ
البريطاني بعد الاستقلال الرسمي.
لذلك جمع الحزب بين
ثلاثة شعارات جذبت قطاعات مختلفة: الاستقلال الوطني، العدالة الاجتماعية، والحريات
السياسية.
ويصف الباحث طارق
إسماعيل نشوء الحزب بأنه جزء من الحركة الوطنية المناهضة للهيمنة البريطانية، قبل
أن يصبح لاعباً مهماً في السياسة العراقية خلال السنوات الأخيرة من العهد الملكي. (assets.cambridge.org)
العمال والنقابات
في الأربعينيات توسع
نشاط الحزب بين العمال، خصوصاً في السكك الحديدية والنفط والموانئ.
أصبحت الأجور وظروف
العمل وحق التنظيم النقابي جزءاً من الصراع السياسي، وردت الحكومات بالاعتقالات
وحل بعض النقابات والجمعيات ومراقبة النشاط الشيوعي.
ومن هنا بدأت دائرة
تكررت لاحقاً: كلما ضاق المجال القانوني، ازداد اعتماد الحزب على العمل السري؛
وكلما توسع نشاطه السري، ازداد خوف الدولة منه.
وثبة كانون 1948
كانت وثبة كانون 1948
محطة أساسية في تاريخ الحزب والمعارضة العراقية عموماً.
جاءت الاحتجاجات رفضاً
لمعاهدة بورتسموث مع بريطانيا، وشارك فيها طلاب وعمال وقوميون وليبراليون وشيوعيون
وقوى وطنية مختلفة.
كان للحزب دور مهم في
تعبئة العمال والطلبة، لكن الوثبة لم تكن انتفاضة شيوعية. وقد أظهرت قدرة المعارضة
على التحرك خارج الأطر الحزبية الضيقة، وانتهت بسقوط حكومة صالح جبر والتراجع عن
المعاهدة. (intellectdiscover.com)
بالنسبة إلى الحزب كانت
الوثبة دليلاً على تنامي حضوره الشعبي. وبالنسبة إلى الدولة كانت إنذاراً بأن
التنظيم أصبح قوة حقيقية في الشارع.
فلسطين: اختبار صعب
للحزب
كانت القضية الفلسطينية
من أكثر الملفات حساسية.
في بداياته اتخذ الحزب
موقفاً مناهضاً للصهيونية ومؤيداً لحقوق الفلسطينيين. لكن بعد أن أيد الاتحاد
السوفييتي قرار تقسيم فلسطين عام 1947 واعترف لاحقاً بإسرائيل، انتقل الحزب
العراقي بعد خلافات داخلية إلى موقف أقرب إلى الموقف السوفييتي.
كان لذلك ثمن سياسي
كبير، لأن المجتمع العراقي كان متعاطفاً بقوة مع فلسطين، وشارك الجيش العراقي في
حرب 1948.
وتوضح دراسة أكاديمية
عراقية أن هذا التحول تناقض مع الموقف السابق للحزب وأثار خلافات داخله وحوله. (eduj.uowasit.edu.iq)
وهنا ظهر أحد أوجه ضعف
الحزب: مدى استقلال قراره الوطني عن الحركة الشيوعية الدولية.
إعدام فهد
اعتُقل فهد وعدد من
قيادات الحزب سنة 1947.
وفي شباط 1949 أُعدم مع
اثنين من رفاقه البارزين، حسين محمد الشبيبي «صارم» وزكي محمد بسيم «حازم». (iraqicp.com)
شكّل إعدام فهد ضربة
شديدة للتنظيم، لأنه كان العقل التنظيمي الأهم للحزب. ودخل الحزب بعده مرحلة
اضطراب وانقسامات وإعادة بناء.
لكنه لم يختفِ.
وهذه إحدى مفارقات
التجربة: كانت الدولة تستطيع اعتقال القيادات وإضعاف التنظيم، لكنها لم تستطع
إزالة الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت تنتج المعارضة نفسها.
انتفاضة 1952
عاد الحزب إلى النشاط
مع تصاعد الاحتجاجات الطلابية والعمالية في أوائل
الخمسينيات.
وفي انتفاضة تشرين
الثاني 1952 شارك الشيوعيون إلى جانب قوى أخرى في المطالبة بالإصلاح السياسي،
والحريات، والانتخابات، وتحسين الظروف الاقتصادية.
ردت الحكومة بإعلان
الأحكام العرفية والاستعانة بالجيش لإعادة السيطرة. ويشير طارق إسماعيل إلى أن
احتجاجات تلك المرحلة أعادت للحزب جانباً مهماً من حضوره بعد ضربة 1949. (cambridge.org)
نوري السعيد والحزب
كان نوري السعيد من
أبرز خصوم الحزب الشيوعي.
ومن وجهة نظره، لم يكن
الحزب مجرد معارضة داخلية، بل تنظيماً مرتبطاً فكرياً بالحركة الشيوعية العالمية
في ذروة الحرب الباردة، بينما كان العراق مرتبطاً ببريطانيا ثم بحلف بغداد.
أما الحزب فكان يرى
نوري السعيد ممثلاً لسياسة تربط العراق بالمصالح البريطانية والغربية.
وهكذا أصبح الصراع
بينهما سياسياً داخلياً وإقليمياً ودولياً في الوقت نفسه.
لكن المشكلة لم تكن في
منع نشاط الحزب الشيوعي السري وحده؛ فقد امتد التضييق في بعض المراحل إلى أحزاب
وصحف ومعارضين دستوريين، وهو ما أضعف فرص استيعاب المعارضة داخل المؤسسات.
انتخابات 1954
شهد عام 1954 فترة
قصيرة من الانفتاح النسبي، وحققت قوى المعارضة بعض المكاسب الانتخابية.
لكن التجربة لم تستمر،
وعادت القيود على الأحزاب والصحافة والعمل السياسي.
وكانت النتيجة أن جزءاً
متزايداً من المعارضة أصبح أقل ثقة بإمكان التغيير من داخل البرلمان.
وهنا تظهر إحدى مشكلات
العهد الملكي الأخيرة: تقييد المعارضة القانونية لم ينهِ المعارضة، بل دفع بعض
القوى نحو العمل السري والتحالف مع أطراف تسعى إلى تغيير أعمق للنظام.
سلام عادل وإعادة بناء
الحزب
في منتصف الخمسينيات
برز حسين أحمد الرضي، المعروف باسم سلام عادل، الذي أصبح من أهم قادة الحزب وتولى
قيادته في مرحلة شديدة الحساسية.
ساعد سلام عادل على
إعادة توحيد التنظيم وإقامة علاقات أوسع مع القوى الوطنية الأخرى. وتشير المصادر
الرسمية للحزب إلى انتخابه في قيادة الحزب في صيف 1955. (iraqicp.com)
أزمة السويس 1956
جاء العدوان البريطاني
الفرنسي الإسرائيلي على مصر عام 1956 ليخلق أزمة سياسية كبيرة في العراق.
فالعراق كان مرتبطاً
ببريطانيا عبر حلف بغداد، بينما كانت بريطانيا نفسها تشارك في الهجوم على مصر.
اندلعت مظاهرات في مدن
عراقية عدة، وشارك فيها شيوعيون وقوميون وقوى أخرى. واستفاد الحزب من القضية في
ربط شعاراته الاجتماعية بمناهضة النفوذ البريطاني والتضامن العربي مع مصر. (iraqicp.com)
جبهة الاتحاد الوطني
1957
في عام 1957 تشكلت جبهة
الاتحاد الوطني، وضمت الحزب الشيوعي العراقي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب
الاستقلال، وحزب البعث العربي الاشتراكي.
وهذه نقطة شديدة الدلالة.
فالشيوعيون والبعثيون
الذين سيصبح الصراع بينهم لاحقاً عنيفاً كانوا قبل الثورة جزءاً من جبهة واحدة.
ما جمعهم آنذاك كان
معارضة نوري السعيد، وحلف بغداد، والنفوذ الأجنبي، والمطالبة بالحريات والإصلاح
السياسي. (cambridge.org)
هل كان الحزب وراء 14
تموز؟
لا.
الحزب الشيوعي لم يخطط
الانقلاب العسكري، ولم يكن هو الذي حرك الوحدات التي دخلت بغداد.
الحركة نفذها تنظيم
الضباط الأحرار داخل الجيش.
لكن الحزب كان جزءاً
مهماً من البيئة السياسية التي سبقت سقوط الملكية: شارك في الإضرابات والاحتجاجات
والجبهات المعارضة، وأسهم مع قوى أخرى في إضعاف القاعدة السياسية التي اعتمد عليها
النظام.
وهناك فرق أساسي بين
المساهمة في خلق مناخ المعارضة وبين تنفيذ الانقلاب العسكري.
كيف نقيم العلاقة بين
الحزب والملكية؟
ليس من الدقة تصوير أحد
الطرفين بصورة أحادية.
الحزب كان محظوراً
وتعرض قادته وأعضاؤه للسجن والملاحقة، ووصل الأمر إلى إعدام فهد ورفاقه.
لكن الحزب نفسه لم يكن
حزباً ديمقراطياً ليبرالياً بالمفهوم المعاصر؛ كان تنظيماً لينينياً سرياً، يؤمن
بالصراع الطبقي، ويتأثر بالحركة الشيوعية الدولية.
ومن جهة الدولة، كان
هناك سبب مفهوم للقلق من تنظيم سري في سياق الحرب الباردة، لكن المشكلة كانت أن
القيود لم تقتصر دائماً على العمل السري، بل ضيقت أحياناً أيضاً على المعارضة
الدستورية والصحافة والحياة الحزبية.
وبذلك أصبح الطرفان
جزءاً من أزمة سياسية أوسع: دولة لم تنجح بما يكفي في استيعاب المعارضة داخل
المؤسسات، ومعارضة ثورية لم تكن هي الأخرى ملتزمة دائماً بقواعد المنافسة
الديمقراطية الليبرالية.
عشية سقوط الملكية
بحلول 1958 كان الحزب
قد مر برحلة طويلة: من حلقات صغيرة، إلى تنظيم قوي بقيادة فهد، إلى ضربات أمنية
وإعدام قيادته، ثم إعادة البناء بقيادة سلام عادل، وصولاً إلى جبهة سياسية واسعة
مع قوى قومية وليبرالية وبعثية.
وفي صباح 14 تموز سقط
النظام الذي أمضى الحزب أكثر من عشرين عاماً في معارضته.
لكن الحزب لم يصل إلى
السلطة.
بل وجد نفسه أمام
جمهورية يقودها عبد الكريم قاسم، وهو ليس شيوعياً، لكنه سيكتشف سريعاً أن الحزب
الشيوعي يمثل قوة جماهيرية يمكن أن تساعده في موازنة خصومه القوميين والناصريين.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة
تماماً.
خرج الحزب من سنوات
العمل السري والملاحقة إلى الشارع بقوة غير مسبوقة، واقترب من مركز السلطة أكثر من
أي وقت مضى.
لكن السنوات التالية
ستكشف أن الاقتراب من السلطة لا يعني امتلاكها، وأن الحزب الذي نجا من ملاحقات
العهد الملكي سيدخل بعد 1958 واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخه.

























