الرواية الوطنية لا تُحمى بسحب الكتب
المهندس نبيل إبراهيم حداد
أثار قرار سحب بعض
الكتب من معرض عمّان الدولي للكتاب، وما رافقه من حديث عن اتخاذ إجراءات قانونية،
نقاشاً يتجاوز الكتب المعنية نفسها إلى سؤال أوسع: كيف نحمي الرواية الوطنية؟ وهل
يكون ذلك بمنع الروايات المخالفة، أم بإتاحة المعلومات وفتح المجال أمام القارئ
والباحث للمقارنة والحكم؟
من حق الجهات الرسمية
والمنظمة للمعرض أن تطبق القوانين والتعليمات النافذة، كما أن من واجبها التعامل
مع أي مخالفة واضحة وفق الأطر القانونية. لكن عندما يتعلق الأمر بكتب تقدم روايات
تاريخية أو سياسية نختلف معها، فإنني أرى أن الأصل يجب أن يكون إتاحة الكتاب، لا
سحبه، ما لم يكن هناك خرق قانوني صريح ومحدد.
فالكتاب يُواجه بكتاب،
والفكرة بفكرة، والرواية التاريخية بالوثيقة والحجة والدليل.
قد يحتوي كتاب ما على
رواية غير دقيقة عن الأردن، أو على شهادات منحازة، أو على استنتاجات سياسية قاسية،
أو حتى على اتهامات نرفضها بالكامل. لكن وجود هذه الكتب في المكتبات أو معارض
الكتب لا يعني أن الدولة توافق على مضمونها، كما أن السماح للناس بقراءتها لا يعني
تبني ما ورد فيها.
القارئ يستطيع أن يقرأ
ويقارن ويبحث ويكتشف التناقضات بنفسه.
من قوة الدولة أن تسمح
بقراءة الرواية الأخرى
الدولة الواثقة من
تاريخها لا ينبغي أن تخشى كتاباً.
بل إن وجود الروايات
المختلفة قد يخدم الرواية الوطنية إذا دفعنا إلى توثيق تاريخنا بصورة أفضل، وفتح
أرشيفاتنا، ونشر الوثائق، وتشجيع الباحثين على مناقشة الادعاءات والرد عليها.
أما سحب الكتاب فقد
يعطيه أحياناً قيمة أكبر مما كان سيحصل عليها لو بقي معروضاً بصورة طبيعية. وقد
يتحول كتاب كان سيقرأه عدد محدود إلى قضية عامة، ويصبح المنع نفسه وسيلة دعاية
مجانية له.
والأهم أن أصحاب
الروايات المعادية أو المنحازة قد يستغلون المنع ليقولوا إن الأردن لا يريد مناقشة
ما كتبوه.
لماذا نعطيهم هذه
الحجة؟
الأقوى أن نقول: هذه
روايتكم، وهذه وثائقنا، وهذه شهاداتنا، وهذه مصادر أخرى مستقلة، وليحكم القارئ.
أحداث أيلول 1970 مثال
مهم
تظهر أهمية هذا المبدأ
بصورة خاصة عند الحديث عن أحداث أيلول 1970 وما تبعها حتى عام 1971.
بعد مرور أكثر من نصف
قرن، لا تزال هناك روايات متعددة ومتناقضة حول تلك المرحلة.
هناك روايات أردنية،
وروايات فلسطينية متعددة، وهناك وثائق بريطانية وأميركية وعربية وإسرائيلية، إضافة
إلى شهادات ضباط وسياسيين ودبلوماسيين وأشخاص عاشوا تلك الأحداث مباشرة.
ولا يمكن بناء فهم ناضج
لتلك المرحلة من خلال قراءة رواية واحدة فقط.
في مقال سابق كتبته حول
17 أيلول، كان هدفي ألا نبقى أسرى الجراح القديمة، بل أن نفهم المرحلة كاملة:
أسباب الصدام، تطور الأحداث، النتائج، ثم الجهود التي أعادت بناء الوحدة الوطنية
وأغلقت صفحة المواجهة المسلحة.
ومن هذا المنطلق، أرى
أن من مصلحة الأردن أن تكون كل المعلومات التاريخية الممكنة متاحة أمام الباحثين.
فالرواية الوطنية لا
تصبح أقوى عندما نخفي الرواية الأخرى، بل عندما نستطيع الإجابة عنها.
الرواية الوطنية تحتاج
إلى توثيق
المشكلة في منطقتنا
ليست فقط في وجود روايات منحازة، بل أيضاً في ضعف الوصول إلى الأرشيفات والمصادر
الرسمية.
كثير من التاريخ العربي
كُتب من خلال المذكرات الشخصية أو الانطباعات أو الروايات السياسية المتنافسة،
بينما بقيت الوثائق الأصلية بعيدة عن الباحثين.
وهنا أرى أن الأردن
بحاجة إلى مشروع وطني أوسع لتوثيق المراحل المهمة من تاريخه السياسي والعسكري
والدبلوماسي.
فبعد مرور عقود على
أحداث 1970 و1971، يمكن دراسة إتاحة جزء أكبر من الوثائق المتعلقة بتلك المرحلة،
مع الإبقاء بطبيعة الحال على ما لا يزال يمس الأمن الوطني أو خصوصية الأفراد.
كل وثيقة تُفتح للباحث
تقلل مساحة الإشاعة والمبالغة.
وكل رواية رسمية موثقة
أفضل من مجرد القول إن الرواية الأخرى غير صحيحة.
حرية النشر لا تعني أن
كل ما يُكتب صحيح
الدفاع عن حرية النشر
لا يعني قبول محتوى كل كتاب.
من حق المؤرخ أن يقول
إن كتاباً معيناً ضعيف في مصادره.
ومن حق الباحث أن يثبت
أن مؤلفاً ما نقل رواية مبتورة أو تجاهل وثائق مهمة.
ومن حق الدولة أو
الجامعات أو مراكز الدراسات أن تنشر دراسات ترد على ادعاءات تاريخية أو سياسية.
لكن كل ذلك مختلف
تماماً عن منع القارئ من الاطلاع على النص نفسه.
هناك فرق بين حرية نشر
الرأي وبين القيمة العلمية لهذا الرأي.
وقد يكون بعض الكتب
رديئاً أو منحازاً أو مليئاً بالأخطاء، لكن أفضل طريقة لإسقاط حججه هي كشف تلك
الأخطاء علناً.
ماذا نفعل بالكتب التي
تهاجم الأردن؟
نقرأها.
نحدد مصادرها.
نقارن ما تقوله
بالوثائق.
نكشف ما فيها من أخطاء.
وننشر الردود العلمية.
بل يمكن أن تصبح هذه
الكتب نفسها مادة لفهم كيفية تشكل بعض الروايات ضد الأردن، وكيف انتقلت من
المذكرات السياسية إلى الدراسات والكتب والصحافة.
وهذا جزء من دراسة
التاريخ أيضاً.
من معرض الكتاب تبدأ
فرصة
بدلاً من أن ينحصر
النقاش في قضية سحب كتاب أو أكثر، يمكن أن تكون هذه الواقعة فرصة لفتح نقاش أكبر
حول كتابة التاريخ وحرية النشر في الأردن.
لماذا لا يستضيف معرض
عمّان الدولي للكتاب ندوات تناقش الروايات المختلفة حول المراحل الحساسة من تاريخ
المملكة؟
يمكن مثلاً عقد ندوة
بعنوان:
كيف كُتبت أحداث أيلول
1970 في المصادر الأردنية والفلسطينية والأجنبية؟
ويشارك فيها باحثون
يقدمون وثائقهم ومصادرهم أمام الجمهور.
هذا، في رأيي، أقوى من
إزالة كتاب من جناح دار نشر.
الخلاصة
إنني أؤمن بأن حرية
الصحافة والنشر لا تضعف الدولة، بل تساعدها على تصحيح الأخطاء ومواجهة التضليل.
قد نرفض كتاباً بالكامل.
وقد نختلف مع كل ما ورد
فيه.
لكن رفض الفكرة لا
يستوجب إخفاءها.
الرواية الوطنية لا
تُحمى بسحب الكتب، بل بقوة الوثيقة، ووضوح الحجة، وإتاحة المعلومات.
ما كُتب ضد الأردن يجب
أن يكون متاحاً للقراءة، وما لدى الأردن من وثائق وشهادات وحقائق يجب أن يكون
متاحاً أيضاً.
وعندها يكون الحكم
للقارئ، وللباحث، وللتاريخ.















