امسية ثقافية في وداع الشاعر احمد ابو سليم: كان مثالا صادقا للمثقف العضوي الصادق
اقامت الدائرة الثقافية لحزب الوحدة الشعبية مساء يوم
الخميس الماضي أمسية وداعية رثائية للشاعر والروائي الرفيق أحمد أبو سليم، وذلك في
مقر حزب الوحدة الشعبية في عمّان تحت عنوان "أحمد أبو سليم: الرفيق المبدع شاعرا
وروائيا” وسط حشد كبير من المثقفين والفنانين ومحبي المبدع أبو سليم.
وقال مسؤول الدائرة الثقافية وعضو المكتب السياسي للحزب
الشاعر رامي ياسين في معرض تقديمه للأمسية: "بعض الموت مفاجئ وبعض الموت فاجع وبعض
الموت كرامة، وكلّ الموت تأجيلٌ وكلّ تجلّياته في موتكَ.” وخاطب أحمد بقوله: "زمنٌ
نجوتَ منه بأعجوبة يا أحمد رغم مكابرتك، هُدّمت بيوتنا وأكلت الكلاب أجسادنا،
لكننا نكابر: ما زلنا على الأرض نحمل تراب أشلائنا ونقاتل.”
وفي ورقته النقدية استعرض الروائي عبدالسلام صالح المنجز
الابداعي لأبي سليم حيث قدّم قراءة نقدية شاملة لروايات "يس” و”كوانتوم” وذئاب
منوية كما استعرض الظروف التي كتبت فيها كل رواية، وأشار الى أن جميع هذه الروايات
تتمتع بسوية فنية عالية.
وأشار صالح الى أهمية التجريب في البناء الروائي واللغة
والذي برع فيهما أحمد، وأكّد الى أن تجربة أحمد الابداعية قد تعرّضت الى التهميش
المتعمّد وعدم الاهتمام. وبدوره وجه دعوة الى جميع المؤسسات الثقافية بالاهتمام
بما قدّمه احمد من منجز أدبي ابداعي يستحق ان يتم ترجمته ونشره عربيا وعالميا وان
يحتفى به.
وفي كلمة لعائلة الراحل ابوسليم شكرت ابنته ايليا الحضور
والمشاركين والقائمين على الامسية، وأشارت بأن الأمسية تعني الكثير بالنسبة لأحمد
وأصدقائه وعائلته، وأكدت بأن احمد ما زال حاضرا بيننا بكتاباته وأشعاره.
وقال المحامي حسن عبّادي في كلمته: "سمعت صوتًا يقرع خزّان
ذاكرتنا، صوت غسان كنفاني في ‘رجال في الشمس’، يردّد على مسامعِنا كل يوم وكل ساعة
وكل دقيقة: ما تبقّى لكم… ما الّذي تبقّى لكم؟ اقرعوا جدرانَ الخزّان، لم يعُد
أمامكم سوى إتمام رسالتكم، أنتم على وشك الانتهاء من رحلة الألف ميل! وها هو أحمد
ما زال يقرعه بعنف… لا يمكننا أن نقول – لم نسمع!!!”
وأشار إلى أن روايته الأولى "الحاسّة صفر” تناولت تجربة
المقاومة الفلسطينية في لبنان، الذي حطّم من خلالها كل التابوهات، وقام بأنسنة
التجربة النضالية الفلسطينية.
ومن جانبه، قال الشاعر قصي إدريس في كلمة نادي أسرة القلم
إن أحمد كان مثالا صادقا للمثقف العضوي الصادق، الذي حمل على عاتقه الهم الوطني
والثقافي وساهم بفعالية في إنجاح كافة أنشطة النادي.
وفي كلمة الحزب، أشار الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية
الدكتور عصام الخواجا – بعد الترحيب بعائلة الرفيق الكاتب والشاعر والروائي أحمد
أبو سليم – إلى أهمية البناء الثقافي وبناء الوعي والمعرفة كقاعدة ومستند لأي
مشروع سياسي، وبشكل خاص عندما يتعلق بمشروع نضالي تحرري.
وأكد الخواجا أن ليس جديداً عدم تكريم المبدعين، وليس جديداً إغلاق المنابر أمام المبدعين
والمثقفين، فالكتاب والمبدعون الملتزمون بالقضايا الوطنية
والقومية توصد في وجوههم المنابر والفرص لتقديم وترويج منتجهم.
وأضاف أن الثقافة والمعرفة أدوات للتحرر من الهجمة
الاستعمارية المباشرة وهيمنتها على الشعوب، وأن المنتج الثقافي بأنواعه من رواية
وقصة ومسرح وشعر ليس مجرد وسيلة للتاريخ والتوثيق والحفظ من اندثار الأثر
والموروث، بل هو ركن
أساسي في جبهة المقاومة.
وشدد على أن أحمد أبو سليم استطاع أن يؤرّخ لمراحل مهمة من
النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، ودعا إلى قراءة المنتج الروائي والشعري للرفيق الراحل أحمد أبو سليم لأهمية
توثيقه لتجربته وتجربة النضال الوطني الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني، فهو المقاتل في بيروت والكاتب في
عمان والعائد في حيفا، وهو ممن كتبوا على نهج غسان كنفاني.
كما أكد أنه يجب إعادة القراءة لمن قرأه، والقراءة لمن لم
يقرأه سابقاً، مشيراً إلى أن الحزب سيعطي اهتمامًا أكبر على الفعل الثقافي الوطني،
وهو غير منفصل بطبيعة الحال عن الفعل السياسي اليومي.
وقرأ الشاعر صلاح أبو لاوي قصيدة في رثاء أحمد جاء فيها:
"تموت بلاد بأكملها
وأناس نحب
وأهل
وأحمد.”
وفي رسالة الاتحاد العام للأدباء الفلسطينيين – الكرمل،
أكّد الاستاذ مصطفى عبدالفتاح الأمين العام للاتحاد بأن أحمد هو ذلك المثقف الذي
حمل الكلمة الفلسطينية بأمانة، وأسهم في صون الذاكرة الوطنية والحضور الثقافي
الفلسطيني والعربي عبر مسيرة اتسمت بالاجتهاد والصدق والالتزام. لقد شكّل الراحل،
رحمه الله، نموذجًا للمبدع الذي لا يكتفي بإنجاز النص، بل يذهب إلى أبعد من ذلك؛
إلى توسيع أفق القارئ، وإغناء المشهد الثقافي بعمق رؤيةٍ وإخلاصٍ لقضايا الإنسان
والوطن. فقد ترك إرثًا أدبيًا وثقافيًا سيظل علامة مضيئة في المكتبة الفلسطينية
والعربية، بما قدّمه من روايات ونصوص أثرت وعينا وأسهمت في تجديد أدوات السرد
والفن.
وفي رسالة من الاسير المحرر الأديب هيثم جابر قال فيها ”
رحل احمد وبقيت كلماته خالدة تماما مثل الانبياء والشهداء، يرحلون وتبقى رسائلهم
وكلماتهم حية فينا إلى الابد، يظلون يمشون بين الكلمات واروقة السطور. لا يموتون
ابدا، لان الموت يعني السكون، وانتهاء تأثير الراحل إلى الله على الاخرين، لكن
وحدهم الانبياء والشهداء ومن بعدهم الشعراء والأدباء لا يموتون، لان كلماتهم
واشعارهم تبقى حية ما بقيت الحياة، هكذا كان احمد.
وختمت الامسية برثائية موسيقية للفنان كمال خليل والذي غنى
لأول مرة أغنية”هنا نموت” من كلمات الشاعر الراحل أحمد ابو سليم، وتقول الكلمات:
هنا قد نموتُ.. ولكنَّ شيئًا منَ الموتِ.. حينَ نموتُ يموتُ.. فقلْ للحياةِ.. هنا
الموتُ يوجعُ أكثر.












