عندما تصبح الحرب سياسة: لماذا يجب على العالم أن يقول «لا»
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد*
لا يمكن التعامل مع هدم منشآت تابعة
للأمم المتحدة، ولا مع الاستهداف المستمر للبنية التحتية المدنية، على أنها حوادث
أمنية معزولة أو تجاوزات تكتيكية عابرة. ما نشهده اليوم هو جزء من نمط أوسع وأكثر
خطورة. ففي ظل القيادة الحاكمة الحالية، باتت إسرائيل تُطَبِّع استخدام القوة
المفرطة بوصفها أداة سياسية، مع تجاهلٍ واضح للعواقب الإنسانية، وحماية المدنيين،
والالتزامات القانونية الدولية.
إن ما يجري ليس حربًا فُرضت على مضض،
ولا عمليات عسكرية محكومة بضوابط صارمة. بل هو نمط سلوك تُعامَل فيه المعاناة
الإنسانية الواسعة والدمار المادي الشامل باعتبارهما نتائج مقبولة وربما طبيعية
لسياسات الدولة. هذا ليس ردعًا، وليس دفاعًا مشروعًا كما يقرّه القانون الدولي، بل
هو إدارة للصراع بالقوة.
تقويض النظام الدولي، لا حقوق
الفلسطينيين فقط
إن استهداف منشآت وكالة غوث وتشغيل
اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والسعي المنهجي لتفكيك الإطار القانوني والسياسي
لقضية اللاجئين الفلسطينيين، لا يمثل اعتداءً على مؤسسة بعينها فحسب، بل يشكل
تحديًا مباشرًا لسلطة الأمم المتحدة ذاتها، وللنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب
العالمية الثانية لمنع مثل هذا السلوك المنفلت.
إن قرارات الأمم المتحدة، والاتفاقيات
الإنسانية، ومبدأ حصانة المؤسسات الدولية، ليست أدوات اختيارية تُحترم حين تكون
مريحة سياسيًا وتُهمل متى تعارضت مع الأجندات الآنية. فالامتثال الانتقائي للقانون
الدولي يقوض أسس النظام العالمي برمته. وعندما تتصرف دولة ما بمنطق الإفلات من
العقاب محمية بالتحالفات السياسية والصمت الدبلوماسي، فإن الرسالة الموجهة للعالم
تكون شديدة الخطورة: القوة تعلو على القانون.
الصمت شراكة في المسؤولية
لقد ثبت أن بيانات القلق، والدعوات
إلى ضبط النفس، والتصريحات الدبلوماسية المصاغة بعناية، لم تعد كافية. فعقود من
ردود الفعل الخجولة والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي خلقت بيئة لا تترتب فيها
على التصعيد أي كلفة حقيقية. وفي هذا السياق، لا يكون الصمت حيادًا، بل يصبح شراكة
ضمنية.
على المجتمع الدولي أن يدرك أن
الاستمرار في معاملة إسرائيل كـ «حالة استثنائية» محصّنة من آليات المساءلة
المطبقة على غيرها، يقوض مصداقية الحوكمة العالمية نفسها. فالقضية ليست حق إسرائيل
في الأمن — فهذا حق مكفول لكل دولة — بل في إساءة استخدام هذا الحق لتبرير سياسات
تدمر حياة المدنيين، وتنسف البنية التحتية، وتغلق أي أفق واقعي للسلام.
قول «لا» يعني الفعل لا الخطابة
إن قول «لا» يعني إخضاع سلوك الدول
للمعايير نفسها المطبقة على الجميع. وعمليًا، يتطلب ذلك:
• تفعيل آليات المساءلة القانونية الدولية دون استثناء
• ربط التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بالامتثال للقانون
الدولي الإنساني
• حماية مؤسسات الأمم المتحدة من الابتزاز السياسي أو الاستهداف
المادي
• إنهاء ثقافة الحماية الدبلوماسية التلقائية
هذه ليست إجراءات متطرفة، بل أدوات
مألوفة في العلاقات الدولية عندما تُنتهك القواعد.
سابقة عالمية خطيرة
إذا سمح العالم بتطبيع الحرب بوصفها
سياسة، والدمار بوصفه أسلوب حكم، فلن يقتصر أثر ذلك على فلسطين وحدها. ستتعلم دول
أخرى الدرس ذاته: أن القوة لا القانون هي التي تحسم النتائج، وأن المساءلة مسألة
قابلة للتفاوض. إن الخيار المطروح أمام المجتمع الدولي واضح. إما إعادة الاعتبار
للقانون، والمبادئ الإنسانية، وحصانة المؤسسات الدولية، أو القبول بعالم تُحكم فيه
العلاقات بمنطق القوة، وتُعامَل فيه معاناة المدنيين باعتبارها «أضرارًا جانبية»
مقصودة.
على العالم أن يقول «لا» لا بالكلمات
وحدها، بل بالفعل، والاتساق، والوضوح الأخلاقي إلى أن تتغير السياسات، وتُستعاد
المساءلة، ويُفتح الطريق أمام سلام حقيقي لا يُقوَّض عمدًا.












