بين نار المستوطنين ودعم واشنطن.. الضفة الغربية تواجه "جحيم" التهجير العلني
في ظل التصعيد
المتواصل في الضفة الغربية، تتكشف ملامح مرحلة جديدة من السياسات الإسرائيلية
القائمة على فرض الوقائع بالقوة، وسط صمت دولي وعجز أممي لافت.
ويرى مراقبون أن ما
تشهده الضفة الغربية من تصعيد متسارع واعتداءات ممنهجة لا يمكن فصله عن سياق سياسي
وأمني أوسع، يستهدف إعادة تشكيل الواقع الميداني عبر سياسات التفريغ القسري والضم
التدريجي، مستفيدًا من الغطاء الأمريكي وتراجع فاعلية المنظومة الدولية.
ويؤكد المراقبون أن
ما يجري يتجاوز كونه إجراءات أمنية عابرة، ليعكس استراتيجية إسرائيلية متكاملة
تهدف إلى تقويض الوجود الفلسطيني، وفرض وقائع جديدة على الأرض تمهّد لمرحلة أكثر
خطورة في مسار الصراع.
ثلاثية التصفية
وقال الكاتب والباحث
السياسي محمد القيق إن ما تقوم به قوات الاحتلال والمستوطنون في الضفة الغربية لا
يمكن قراءته بوصفه أحداثًا عشوائية أو ردود فعل انتقامية كما يحاول بعض الإعلام
ترويجه، بل هو سلوك منظم يقوم على تفاهمات ضمنية مع الإدارة الأمريكية، هدفها
تحويل الضفة الغربية إلى ساحة جحيم مفتوحة لا تهدأ.
وأوضح القيق في حديث
لـ"قدس برس"، أن ما يجري ينسجم تمامًا مع مشاريع الضم والهيمنة
الميدانية، سواء عبر فرض ما يسمى بـ«السيادة الإسرائيلية» من خلال مشاريع قانونية
وإدارية، أو عبر إطلاق يد المستوطنين للاعتداء المباشر، مع توفير الحماية لهم، في مقابل
اعتقال الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم، كما حدث في بيرزيت.
وأشار إلى أن
الاستهداف الحالي يتركز على التجمعات الزراعية والسكنية والبدوية والرعوية، خاصة
القريبة من الجدار والمستوطنات، في سياق خطة تدريجية لتفريغها من سكانها، تمهيدًا
للاستيلاء عليها.
واعتبر أن خطورة
المشهد لا تكمن فقط في وحشيته، بل في استمراره تحت مظلة الحماية الأمريكية، مقابل
الاكتفاء الدولي ببيانات الشجب والاستنكار.
وأضاف أن الاحتلال
يعمل اليوم على ثلاثة مسارات متوازية: شيطنة وكالة الأونروا، تضخيم دور وقوة
المستوطنين، وتهميش الفلسطينيين وإقصاؤهم من جميع المعادلات اليومية على الأرض.
معركة السيادة داخل
المدن الفلسطينية
من جانبه، قال المحلل
السياسي أمجد بشكار إن أحداث السابع من أكتوبر، وما سبقها وتلاها في الضفة
الغربية، إلى جانب المجازر الدموية في قطاع غزة، كشفت بوضوح سقوط منظومة المؤسسات
الدولية المعنية بحقوق الإنسان والسيادة وإنهاء الاحتلال، وفضحت زيف شعاراتها.
وأوضح بشكار في حديث
لـ"قدس برس"، أن الهدف الإسرائيلي بات واضحًا، ويتمثل في منع قيام أي
كيان جغرافي فلسطيني قادر على حكم نفسه، مؤكدًا أن المشروع لم يعد يقتصر على البؤر
الزراعية والرعوية، بل تجاوز ذلك إلى محاولة فرض السيادة داخل المدن الفلسطينية
نفسها.
واستشهد بما يجري في
مدينة نابلس، حيث أقدمت قوات الاحتلال على تسليم إخطارات بهدم منازل ومحال تجارية
في حي دير شرف داخل المدينة، إضافة إلى عمليات هدم طالت مباني سكنية فلسطينية في
جبل جرزيم، على مرأى ومسمع الجميع.
وختم بشكار بالتأكيد
على أن ما يحدث هو تهجير قسري حقيقي ومعلن، وليس صامتًا كما في السابق، ويأتي ضمن
سياق تنفيذ مشروع الضم الذي تبناه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بالتعاون
مع أطراف اليمين المتطرف، وعلى رأسهم سموتريتش وبن غفير.
وقالت منظمة
"البيدر" الحقوقية الفلسطينية إن مجموعات من المستوطنين شنّت، الأربعاء
الماضي، هجومًا عنيفًا على "خربة الحلاوة" في منطقة "مسافر
يطا" جنوبي الخليل، استهدف ممتلكات الفلسطينيين ومواشيهم. وأوضحت أن الاعتداء
أسفر عن سرقة أكثر من 300 رأس من الأغنام وإضرام النار في منشآت وممتلكات، ما تسبب
بحالة من الذعر بين السكان.
وأضافت المنظمة في
بيانها أن الهجوم يأتي ضمن "سلسلة اعتداءات ممنهجة" تستهدف التجمعات
البدوية في المنطقة، بهدف ترهيب الأهالي ودفعهم نحو "الرحيل القسري" عن
أراضيهم الزراعية ومراعيهم، في ظل غياب أي حماية من سلطات الاحتلال.
ومنذ بدء حرب الإبادة
الإسرائيلية على قطاع غزة قبل أكثر من عامين، صعّدت سلطات الاحتلال - عبر جيشها
والمستوطنين - اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما يشمل القتل والاعتقال والتهجير
والتوسع الاستيطاني، في مسار يحذّر الفلسطينيون من أنه يمهّد لضمّ الضفة رسميًا.
وأسفر هذا التصعيد عن
مقتل ما لا يقل عن 1107 فلسطينيين وإصابة نحو 11 ألفًا، إضافة إلى اعتقال أكثر من
21 ألف منذ ذلك الحين.


















