عندما تتذكّر الأوطان: خولة سابا العكشة وواجب حفظ الذاكرة الوطنية
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حدّاد*
لا تُبنى الأوطان
بالشعارات، ولا تستدام بالمؤسسات وحدها. تُبنى الأوطان بالناس، أولئك الذين يعملون
بصمت، ويؤدّون واجبهم بإخلاص، وغالبًا دون انتظار تقدير أو اعتراف. غير أن بقاء
ذاكرة الوطن مرهون بقدرتنا على توثيق تلك الحيوات، وفهمها، ونقلها إلى الأجيال
القادمة.
في هذا السياق، يستحق
عمل خولة سابا العكشة تقديرًا وطنيًا صادقًا. فمن خلال جهدها الدؤوب في توثيق حياة
ومسيرة والدها، الراحل سابا صالح العكشة، لم تؤدِّ واجبًا أسريًا فحسب، بل قامت
بعمل يتجاوز البعد الشخصي إلى مسؤولية وطنية نحن بأمسّ الحاجة إليها في الأردن
اليوم.
لقد قامت السيدة العكشة
بجمع وتنظيم ونشر أوراق والدها، ولا سيما تلك المتعلقة بـ القضاء الأردني والاتحاد
العربي بين الأردن والعراق. وبهذا لم تحفظ ذكريات شخصية فحسب، بل صانت ذاكرة
مؤسسية وسياقًا سياسيًا وتاريخًا لصنع القرار الوطني في مراحل مفصلية من عمر
الدولة الأردنية.
هذه ليست سيرة عاطفية،
بل توثيق.
وليست حكاية شخصية، بل
شهادة تاريخية.
إنها ذاكرة وطن تُقدَّم
بانضباط واحترام.
يعاني المشهد العام في
الأردن، في كثير من الأحيان، من نوع من النسيان الجمعي. ننتقل سريعًا من جيل إلى
آخر، ومن أزمة إلى أخرى، دون أن نتوقف لنسأل: من هم الذين وضعوا الأسس التي نقف
عليها اليوم؟ من الذين أسهموا في بناء القضاء، والإدارة، والثقافة السياسية، ومعايير
الخدمة العامة؟
كان الراحل سابا صالح
العكشة واحدًا من أولئك الذين تركوا أثرهم من خلال الخدمة والمسؤولية والحضور في
اللحظات الوطنية الحرجة، لا من خلال الضجيج. ومن خلال إخراج هذا الإرث إلى العلن،
ذكّرتنا ابنته بأن قوة الأردن كانت، وستبقى، قائمة على أمثال هؤلاء رجال ونساء
آمنوا بأن بناء الدولة يتحقق بالقانون، والنزاهة، والاستمرارية.
وانطلاقًا من هذه
القيمة المعرفية والوطنية، فإن كتب السيدة خولة سابا العكشة لا ينبغي أن تبقى
حبيسة الرفوف الأكاديمية أو دائرة الاهتمام النخبوي، بل يجب أن تكون متاحة في كل
مؤسسة أردنية. إن وجود هذه الكتب في الوزارات، والجامعات، والمعاهد القضائية،
والمكتبات العامة، ومراكز التدريب، ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة مؤسسية تسهم في
ترسيخ الوعي بتاريخ الدولة، وفهم تطور القضاء والإدارة، وتعزيز ثقافة الاستمرارية
والمسؤولية في الخدمة العامة.
فالدول التي تحترم
نفسها تحرص على أن تكون ذاكرتها المؤسسية جزءًا من تدريب موظفيها، وتكوين
قياداتها، وبناء سرديتها الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد كتب خولة سابا
العكشة كمراجع معتمدة في المؤسسات الرسمية والتعليمية يشكّل خطوة عملية نحو تحويل
التاريخ الموثّق إلى أداة تعلّم وبناء، لا مجرد سردٍ للماضي.
والأهم من ذلك، أن عمل
خولة العكشة يقدّم نموذجًا يُحتذى.
يحتاج الأردن اليوم إلى
أبنائه وبناته كي يتقدموا ويتحدثوا، لا لتقديس الأشخاص، بل لشرح كيف صنع الناس
فرقًا حقيقيًا في حياة الأردنيين. نحن بحاجة إلى عائلات وباحثين ومهنيين ومؤسسات
يوثّقون سِيَر المهندسين، والقضاة، والمعلمين، والضباط، والأطباء، والإداريين،
وموظفي الخدمة العامة الذين حملوا الدولة على أكتافهم بالمسؤولية لا بالشعارات.
هكذا تنضج الأوطان:
بأن تتذكّر بصدق،
وبأن تكرّم العطاء لا
القرب،
وبأن تحوّل الأرشيفات
الخاصة إلى معرفة عامة.
لقد أثبتت خولة سابا
العكشة أن حفظ الذاكرة الوطنية ليس مهمة الوزارات وحدها، بل يبدأ من البيت،
بالضمير، والانضباط، واحترام الحقيقة.
الأردن بحاجة إلى مزيد
من هذه الأصوات،
ومزيد من هذه
المبادرات،
ومزيد من الشجاعة
للقول: هكذا بُني وطننا.




















