وثائق إبستين: الزلزال الصامت في قلب السياسة الأمريكية
وائل منسي
مع مطلع عام 2026،
فجّرت وزارة العدل الأمريكية واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ السياسي
المعاصر، بعد نشرها حزمة وثائق ضخمة تتجاوز ثلاثة ملايين صفحة مرتبطة بملف جيفري
إبستين.
لم تكن هذه الوثائق
مجرد استكمال قانوني لقضية أخلاقية، بل تحوّلت سريعاً إلى قنبلة سياسية من العيار
الثقيل، تمسّ مباشرة دونالد ترامب ودائرته الضيقة، وتلقي بظلالها الثقيلة على
المشهد الانتخابي الأمريكي.
ترامب والشبكة الرمادية
أبرز ما تكشفه الوثائق
هو الحضور الكثيف لاسم دونالد ترامب، الذي ورد أكثر من 1800 مرة في سياقات متعددة،
شملت مراسلات شخصية، مذكرات داخلية لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وإفادات لضحايا
سابقين. ورغم أن هذه الإشارات لا ترقى جميعها إلى مستوى الإدانة الجنائية، إلا
أنها ترسم صورة مقلقة عن علاقة طويلة ومعقدة بين ترامب وإبستين.
تشير المذكرات إلى
ادعاءات قديمة، من بينها قضية "جين دو” التي عادت إلى الواجهة، إضافة إلى معطيات
تؤكد أن إحدى أبرز الضحايا جرى تجنيدها من داخل منتجع مارالاغو نفسه، ما يفتح
الباب أمام تساؤلات محرجة حول طبيعة البيئة التي كانت تحيط بالرئيس السابق، ومدى
علم الدائرة المقربة منه بما كان يجري خلف الكواليس.
ولا يقف الأمر عند
ترامب وحده. فقد كشفت الوثائق عن أسماء وازنة في محيطه السياسي والاقتصادي.
رسائل بريد إلكتروني أظهرت تناقضات صارخة في
تصريحات بعض المسؤولين الحاليين، بينما كشفت مراسلات أخرى عن تواصل سياسي حساس جرى
في ذروة حملات انتخابية سابقة، بهدف احتواء تداعيات قانونية كانت تهدد المسار السياسي للجمهوريين.
أما شخصيات مثل ستيف
بانون، فقد ورد اسمها في سياق تحليلات إبستين نفسه، الذي بدا، وفق الوثائق
وكأنه لاعب خلفي يراقب التحركات السياسية، ويقيّم موازين القوى، ويتبادل هذه
القراءات مع أطراف نافذة.
إبستين… أكثر من مجرد
ممول منحرف
ما تعكسه الوثائق بوضوح
هو أن إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال متورط في جرائم جنسية، بل كان جزءاً من شبكة
نفوذ معقدة، تداخل فيها المال، السياسة، والعلاقات الخلفية. مذكرات الـFBI تلمّح إلى أدوار غير تقليدية لعبها إبستين كوسيط غير رسمي في ملفات
سياسية وأمنية شديدة الحساسية، مستخدماً شبكة علاقاته العابرة للحدود، وقدرته على
الوصول إلى شخصيات عليا.
هذا البعد "الوظيفي”
لإبستين يعيد تعريف قضيته من فضيحة أخلاقية إلى نموذج خطير لكيف يمكن لشخصية واحدة
أن تتحول إلى أداة تأثير داخل النظام السياسي الأمريكي، مستفيدة من هشاشة
الأخلاقيات، وتواطؤ الصمت، وتشابك المصالح.
ارتدادات انتخابية لا
يمكن تجاهلها
جاء نشر الوثائق في
توقيت بالغ الحساسية، قبيل الانتخابات التمهيدية والنصفية لعام 2026، ما جعلها
مادة اشتعال فوري في الحملات الانتخابية. سارع الديمقراطيون إلى توظيف ما بات
يُعرف بـ"وثائق إبستين” كسلاح هجومي مركزي، مركزين على خطاب الأخلاقيات العامة،
وعلاقة النخبة الجمهورية بشبكات فساد واستغلال.
في المقابل، وجد
الجمهوريون أنفسهم في موقع دفاعي صعب. ضغوط متصاعدة تطالب بإقالات، وجلسات استماع
برلمانية تهدد بشلّ الأجندة التشريعية، وانقسام داخلي بين قاعدة صلبة ترفض
التصديق، وكتلة من المستقلين والجمهوريين المعتدلين الذين أظهرت استطلاعات الرأي
نفورهم من التفاصيل المرتبطة بالاعتداءات على القاصرات.
هذا التآكل البطيء في
الثقة قد لا يُسقط التيار الترامبي دفعة واحدة، لكنه كفيل بترجيح الكفة في
الولايات المتأرجحة، وحسم مقاعد حاسمة في مجلسي النواب والشيوخ.
خلاصة المشهد
تكشف وثائق إبستين أن
القضية لم تكن يوماً مجرد انحراف فردي، بل مرآة قاتمة لخلل بنيوي في تداخل السلطة
والمال والنفوذ داخل النظام السياسي الأمريكي. شبكة معقدة استُخدمت فيها العلاقات
الشخصية كأدوات سياسية، وجرى التغاضي عنها لسنوات، قبل أن تنفجر في توقيت انتخابي
بالغ الخطورة.
وما بين الحسابات
الانتخابية، والفضائح الأخلاقية، والأسئلة التي لا تجد إجابات، يبدو أن هذا الملف
سيبقى حاضراً في قلب الجدل الأمريكي، ليس فقط كفضيحة، بل كدرس قاسٍ في كلفة الصمت
حين يصبح النفوذ بلا ضوابط.


















