شريط الأخبار
الأرصاد الجوية: ارتفاع طفيف على درجات الحرارة الاربعاء مع توقع للامطار. الملك يستقبل رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر الملك يبحث أهمية التعاون العسكري والأمني بين الاردن وبولندا ولي العهد يلتقي وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية 173 مليون دينار صافي الأرباح الموحدة لـ “البوتاس العربية” في عام 2025 وإيراداتها تنمو 11% الملك يتسلم توصيات تطوير الجهاز القضائي ويوجه لضرورة المباشرة في تطبيقها الحكومة ترفع اسعار البنزين والسولار وتثبت الغاز والكاز "المركزي الارثوذكسي" يدين انتهاكات الاحتلال بحق حرية العبادة في القدس الأمن يتعامل مع 17 بلاغا لسقوط شظايا ومقذوفات في الأردن كُرد إيران..."السانحة" التي تستبطن "كارثة" المناصير تعقب على مقال “المصفاة ضمانة إستراتيجية وطنية” تواصل تبادل القصف وارتفاع النفط: غارات عنيفة على غربي إيران وإصابات وحرائق في إسرائيل بعد سقوط صواريخ الجيش: استهداف الأردن بـ 4 صواريخ خلال 24 ساعة .. واعتُرضت جميعها نواب: القمة الأردنية-السعودية-القطرية تعزز وحدة الموقف العربي وتعكس رؤية مشتركة للأمن الإقليمي جمعية الفنادق الأردنية تثمن قرارات الحكومة بدعم قطاع السياحة الأمم المتحدة تحذر: خسائر الدول العربية من العدوان على إيران قد تصل إلى 200 مليار دولار لافروف: امريكا وإسرائيل تحاولان تأليب الدول الخليجية ضد إيران.. ونحذر من تصاعد الازمة الى صراع اكبر أكثر من 5500 إسرائيلي بلا مأوى اليوم دمرت منازلهم الصواريخ الايرانية المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولتي تهريب مواد مخدرة بواسطة طائرتين مسيرتين إجراءات ترشيد الطاقة: بداية جيدة، لكن الحاجة الحقيقية هي إلى انضباط وطني أوسع في إدارة الطاقة

في ميزان المواقف.. من هم "كبار البلد" حقاً؟

في ميزان المواقف.. من هم كبار البلد حقاً؟

كتب د. احمد زياد ابو غنيمة:


توطئة..

في زمنٍ كثرت فيه الألقاب المجانية، وباتت تُوزع فيه صكوك "الزعامة" و"الوطنية" يميناً ويساراً.. 

هل سألنا أنفسنا يوماً

في ميزان الأردنيين الأنقياء، من هم "كبار البلد" حقاً؟ 

*****

أثار حفيظتي، بل وغضبي، تعليق "وقح" ساقه أحدهم رداً على أحد مقالاتي السابقة. تعليقٌ لم يكلّف صاحبه نفسه عناء قراءة الفكرة أو مناقشتها بموضوعية، بل قفز مباشرة نحو مستنقع الشتم والسباب، مختتماً وصلة "الردح" بسؤال استنكاري بائس: "ماذا قدمتم للوطن؟".

لم تستوقفني هذه الجملة للرد عليها أو لتوضيح الواضحات؛ فتاريخ الأردن وصفحاته، ومسيرة رجالاته وتضحياتهم، لا تحتاج إلى شهادة أو إثبات لمن يقرأ ويعرف تاريخ هذا الحمى

*****

ولكن ما أثار فضولي واستفز قلمي حقاً، هو ما تعكسه هذه العبارة من غيابٍ مفجع لمفهوم أساسي ومفصلي في مسيرة وتاريخ أي بلد، وهو: "كيف نُنزِل الناس منازلهم ؟".

كيف نزن أقدار الرجال في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وتصدرت فيه الرويبضة، وباتت محاولات تصنيف الناس وتوزيع صكوك الوجاهة والوطنية تُنثر يميناً ويساراً؟ 

*****

في خضم هذه الفوضى من الأوصاف الفضفاضة، كان لزاماً أن نقف وقفة تأمل؛ لنذكّر من نسي أو تناسى، أن الشعب الأردني، بوعيه الفطري وبصيرته النافذة، يمتلك ميزانه الخاص والدقيق، ويعرف تماماً كيف يُصنّف كل هؤلاء تصنيفاً صادقاً، ويدرك بالفطرة من هو الغث ومن هو السمين، ويميز جيداً بين من يخدم الوطن بصدق، ومن يتخذ من الوطن سُلّماً ليخدم نفسه.

*****

وأمام هذه التخمة في الألقاب، تعود بنا الذاكرة إلى ما قبل نصف قرن من الزمان، حين صدح بها كبير العسكر المشير حابس باشا المجالي مدويةً، صوتاً أردنياً أصيلاً يختزل مجد الانتماء وعنفوان الهوية حين قال

"حِنا كبار البلد.. حِنا كراسيها"؛

لم تكن هذه الكلمات يوماً مجرد شطرٍ يُتغنّى به في الدواوين والسامر الأردني، بل كانت " لحناً " وطنياً، ودستوراً أخلاقياً غير مكتوب يُعرّف بوضوح من هو الأردني الذي يستحق أن يتصدّر المجالس، وأن تُعقد عليه الآمال وتستند إليه الأوطان حين تشتد العواصف.

*****

اليوم، ونحن نقلب صفحات هذا الوطن، ونرى ما نرى من تبدلٍ في المفاهيم واختلاطٍ في المعايير، نقف لنتساءل بمرارة المحب وحرص المنتمي

من هم "كبار البلد" حقاً؟ 

هل هم أصحاب الأرصدة المتخمة؟ 

أم هم روّاد المناصب والمقاعد الوثيرة التي تتغير بتغير الفصول والمصالح؟

*****

إن الكبير، في عرف الأردنيين الأنقياء، لا يكبر بماله ولا بجاهه العابر ولا بمنصبه، بل يكبر بمواقفه التي لا تقبل القسمة على اثنين، وبصدقه مع نفسه ومع الآخرين

الكبير هو من لا يتلوّن بتلوّن المراحل، ولا يرتدي أقنعة الزيف ليرضي أصحاب النفوذ، هو الذي إذا تحدث أسمع الحق، وإذا عامل الناس عاملهم بوجه واحد ولسان واحد؛ لأن المواقف الثابتة هي الميزان الحقيقي الذي تُختبر فيه معادن الرجال، ولأن الصدق مع الآخرين هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها أبداً في بورصة الضمائر.

في قاموس الشرفاء، "كبير البلد" ليس لقباً يُورّث، بل هو حالة من " الطُهر " الوطني، ومرتبة لا ينالها إلا من امتلك صفاتٍ تجعل منه " وتداً " من أوتاد الأرض.

*****

الكراسي التي لا تهتز..

هؤلاء الرجال، والنساء الماجدات من أبناء هذا الحمى، هم "الكراسي الحقيقية" التي يستند إليها الوطن حين تميل به الرياح؛ هم من يبنون البلد بصمتهم قبل كلامهم، وبعرقهم الممزوج بطهر الأرض قبل شعاراتهم الرنانة، ولا يبحثون عن أضواء الكاميرات لأن نور إخلاصهم ومواقفهم يسبقهم

*****

رحم الله حابس باشا وكل رجالات الأردن الأوفياء، فقد لخصوا لنا الحكاية كلها

الكراسي ليست تلك المقاعد الدوارة في المكاتب، بل هي أكتاف الرجال المخلصين الصادقين، التي ترفع الوطن ليبقى شامخاً، عزيزاً، ومهاباً.

*****

وفي الختام، 

لا نملك إلا أن نرفع الأكف تضرعاً للمولى عز وجل، أن يحفظ أردننا الغالي، قيادةً وشعباً، وأن يبقيه واحة أمن وحصناً منيعاً تتكسر على أسواره كل المؤامرات والفتن

ونسأله جلت قدرته أن يرزق هذا الحمى الأبيّ بـ " كبارٍ " حقيقيين، رجالاً ونساءً مخلصين يحفظون الوطن ويصونون ترابه الطهور؛ كباراً لا تبيع ذممهم بريق المناصب، ولا تكسر إرادتهم المحن، لتظل راية هذا البلد خفّاقة، ويبقى الأردن، كما كان دوماً، وطناً للكبرياء والكرامة.