الضمان الإجتماعي يتجبر .. على المشتركين
عوض ضيف الله الملاحمة
مبدأ : (( العقد شريعة المتعاقدين )) ، في القانون
المدني الأردني ، حسب المادة ( ٢٤١ ) . وهذا يعني ان العقد هو القانون الخاص
الذي يحكم العلاقة بين طرفيه . فلا يجوز نقضه ، او تعديله ، إلا بالتراضي بين
طرفيه ، او بالتقاضي ، او بمقتضى نص قانوني . ويجب تنفيذ العقد بحسن نية ، ويشمل
ذلك الإلتزامات الصريحة وما هو من مستلزماته وفقاً للعرف والعدالة . (( مقتبس )) .
عند إقدام أحد المواطنين على الإشتراك في الضمان
الإجتماعي ، يكون قد إقتنع بضرورة الإشتراك ، ويهدف من الإشتراك الحصول على
راتب تقاعدي عند إحالته على التقاعد ، بعد ان يكون قد أفنى عمره كله وهو يكابد ،
ويعاني ، ويخدم بشرف وأمانة ، متطلعاً ، ومستنداً على انه سيحصل على راتب تقاعدي
يستر كِبره ، ويقيه العوز والحاجة ، عندما يكون قد بلغ من الكِبرِ عتياً ، لأنه
أصبح في عمرٍ لا يقوى فيه على العطاء ، ويركن الى قاعدة : (( قليل دائم خيرٌ من
كثيرٍ مُنقطع )) ، ويبحث عن سِتر الحال.
والمشترك في الضمان الإجتماعي ، أول ما يركز على الحسبة
التقاعدية منذ إشتراكه ، الى ان يصل الى التقاعد ، وهو يحسب سنوياً كم يبلغ راتبه
عند التقاعد ، مستنداً ومرتكزاً على شروط العقد الذي وقعه من الضمان الإجتماعي .
لأنه عقد بين طرفين توافقا وقبلا شروطه ، التي يفترض ان تكون هي الفصل والمرتكز
لتحديد الراتب التقاعدي.
لكن الضمان الإجتماعي في وطني الحبيب ، يتصرف كطرف قوي ،
يتجبر على طرف ضعيف هو المشترك . فلا يعبأ ، ولا يهتم ، ولا يكترث ، ولا يلتزم
بالشروط التي وقع عليها ، ويفترض ان يلتزم بها أمام المشترك لحظة إشتراكه وتوقيعه
على عقد الإشتراك . وبهذا يكون الضمان الإجتماعي متغطرساً ، ومتجبراً ، ولا يلتزم
، ولا يحترم ما وقع عليه مع المشترك فيه ، والمنتسب اليه .
في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثانية ثار لغط
شديد على مستوى الوطن ، واعترضت جهات شعبية وطنية كثيرة على ما أُثير وقتها بانه
سيتم إجراء تعديلات جوهرية على قانون الضمان الإجتماعي ، مما يغير الحسبة
التقاعدية ، والتي سيكون فيها ظلماً ، وجوراً ، وهضماً لحقوق المشتركين بالإنتقاص
منها . واستمر اللغط لعدة سنوات ، مما أدى بأعداد كبيرة من المشتركين لطلب التقاعد
، خاصة من أصحاب الرواتب الكبيرة والفلكية وقتها .
في عام ٢٠٠٢ ، كنت مدعواً على العشاء في منزل
المرحوم الدكتور / عبد الله زعل الضمور ، مع عدد كبير من الوزراء العاملين
والمتقاعدين ، إضافة لعدد من كبار رجالات الدولة . وكان موضوع إجراء تعديلات
جوهرية على قانون الضمان الإجتماعي ما زال يُشغل الشارع الأردني ، لذلك سيطر
الموضوع على الجلسة ، وكان هناك لغط كبير وشديد . وعندما قال كل ذي رأي رأيه ،
استاذنت بالكلام ، وقلت : أنا أرى أنه أمر بسيط ، ويمكن حلّه بسهولة ، والحلّ عندي
أنا ، إستغرب الجميع ، وقال أحد الوزراء العاملين وقتها : الحكومة ، والشعب يؤجلون
الحسم في الموضوع ، لعدم وجود حلّ ، والشارع يغلي ، والحلّ عندك ؟ قلت له نعم عندي
. قال : تفضل . قلت له ولهم : العقد شريعة المتعاقدين ، فعلى الضمان الإجتماعي ان
يلتزم ببنود العقد الذي وقع عليه مع كافة المشتركين . وبإمكانه ان يغير
قانون الضمان الإجتماعي ولو سنوياً إذا أراد ، لكن شريطة ان تنطبق التعديلات على
قانون الضمان على المشتركين الجدد ، وليس على المشتركين السابقين . عندها لن يعترض
أحد على التعديلات في قانون الضمان حتى لو تمت بشكل سنوي . إنبهر الجميع بما طرحت
، وقال أحد الوزراء العاملين ، أشكرك بشدة ، وسوف أطرح الموضوع على الحكومة
والضمان الإجتماعي غداً.
يفترض في الضمان الإجتماعي ان يكون عادلاً ، ومنصفاً ،
ويحترم تعاقده مع المشتركين ، وان لا يتغطرس ، ويتجبر ، ويتجاهل ما التزم به ، وان
لا يستخدم سلطاته كونه جهة حكومية ويتجبر بها على المشتركين الأعضاء الذين هم مبرر
وجوده ، ومداد ، وديمومة إستمراره.
بإمكان الضمان الإجتماعي ان يُجري دراساته الإكتوارية ،
كما يريد ، ومتى شاء . كما يمكنه ان يعدل قانون الضمان الإجتماعي كما يريد ، وكما
يشاء ، ومتى شاء ، ويطبق ما توصي به الدراسات الإكتوارية ، ويجري التعديلات التي
يراها مناسبة على القانون متى شاء ، ولو سنوياً ، دون ان يحتج أردني واحد على تلك التعديلات
مهما بلغت من قسوة ، وشدة ، إذا إعتبر الضمان الإجتماعي ان سريان القانون الجديد
يبدأ تطبيقه على المشتركين الجدد ، دون ان يعدل ولو بنداً واحداً على القانون
الساري . لكن مع الأسف ما فيه ناس تسمع ، او تقرأ ، او تستفد مما يقال ويُكتب من
أصحاب الرأي الراجح الثمين.
























