النقل المدرسي المجاني .. للطالب الذي يعاني
عوض ضيف الله الملاحمة
لأنني أحب وطني ، وأتمنى على حكوماته ، وآمل منها ان تضع حلولاً
للمشكلات التي يعاني منها المواطن غير المقتدر . لفت إنتباهي ، وافتخرت ، وتباهيت
بمشروع نقل طلاب المدارس الحكومية ، مجاناً ، نعم مجاناً .
بصدق ، وصراحة ، منذ عقود لم نعهد هكذا مشاريع وطنية ، ريادية ،
جريئة ، تلامس حاجة الناس ، وتحل لهم مشكلة ينجم عنها معاناة كبيرة ، لما يزيد عن
( ١,٦ ) مليون طالب يدرسون في المدارس الحكومية .
هذا المشروع الوطني أول مشروع يمس ، ويعالج مشكلة بل معضلة ما لا
يقل عن ( ٧ ) ملايين أردني ، وأقصد بهذا الرقم عدد طلبة المدارس الحكومية
وعائلاتهم . مُستثنياً الطلبة الدارسين في المدارس الخاصة على مستوى الوطن الذين
يصل عددهم الى ( ٥٠٠,٠٠٠ ) طالب وطالبة.
هذا المشروع الوطني بإمتياز يحل مشكلة غالبية الأُسر الأردنية غير
المقتدرة ، الفقيرة ، خاصة الأسر التي تسكن القرى النائية ، ومُدن الأطراف .
هذا المشروع الريادي ، سيزيد من الإقبال على التعلم والتعليم ،
وسيخفض نسبة الأمية ، خاصة بين الإناث.
هذه الفكرة الريادية التي لم تجرأ أي حكومة من الحكومات السابقة
على مدى قرنٍ من الزمان الإقدام عليها ، او ربما حتى الجرأة على التفكير فيها .
معاناة طلبة المدارس الحكومية في التنقل معاناة كبيرة وشديدة ويصعب
احتمالها . لذلك يضطر ابناء القرى الذهاب لمدارس في قرى مجاورة تبعد عدة كيلومترات
لا تقل عن (٥) كم أحياناً ، وربما تصل الى ( ١٠ ) كم ، اي ان الطالب ربما يسير على
رجلية لمسافة تتراوح بين ( ١٠ — ٢٠ ) كم في اليوم ذهاباً وإياباً .
وسوف أسرد لكم بإيجاز ما عانيته أنا وأقراني من نفس قريتي ( زحوم /
الكرك ) ، في ستينيات القرن الماضي.
إضطر الجيل الذي سبقني وكانوا أكبر مني سِنّاً الذهاب يومياً على
أرجلهم من قرية ( زحوم )، الى قرية ( أدِر ) ، من الصف الأول الإبتدائي ، لقطع
مسافة تصل الى ( ١٢ ) كم ذهاباً وإياباً يومياً . تصوروا ان طالباً عمرة ( ٧ )
أعوام يمشيء هذه المسافة يومياً.
أما جيلي أنا وأقراني من أبناء قرية زحوم فقد إنتقلنا للدراسة في
قرية أدر المجاورة من الصف الأول الإعدادي ، اي بعمر ( ١٣ ) سنة وكنا نمشي حوالي (
١٢ ) كم يومياً ذهاباً وإياباً . وما كان يزيد من معاناتنا انه كان هناك إستراحة
غداء حوالي ( ١,٥ ) ساعة . وكان لا يُسمح لنا الجلوس في إحدى الغرف الصفية لا في
الشتاء ولا في الصيف ، مع ان الغرف الصفية لا يوجد فيها الا ( الرحلاية ) اي
الكرسي والسبورة ، اي لا يوجد ما يمكن ان نعبث به . لذلك كنا نعاني في الشتاء ،
وكانت شتوية الستينيات قاسية من ناحية البرودة الشديدة ، والأمطار الغزيرة
المستمرة ، والثلوج التي كانت تسقط عدة مرات في الموسم الشتوي الواحد ، وكان يصل
ارتفاع الثلوج أحياناً لأكثر من مترٍ واحد . فكنا عرضة للشتاء لمدة إستراحة الغداء
التي مدتها ( ١,٥ ) ساعة ، هذا عدا عن تعرضنا للشتاء في الذهاب والإياب ، حيث كنا
ندخل الى الصف ، وكاننا كنا نسبح في ملابسنا . وفي الصيف ، كانت الشمس الحارة (
تنقر ) في رؤوسنا ساعات الذهاب والإياب ومدة استراحة الغداء .
مشروع نقل طلاب المدارس الحكومية ، مشروع حضاري متقدم ، متطور ،
يعكس شعور الحكومة بمعاناة الطلبة وأهاليهم .
وما سرّني أكثر ، والذي دلّ على جُرأة الحكومة في هذه الخطوة
الوطنية الجبارة ، ان التطبيق سيبدأ مع بداية العام الدراسي القادم في شهر ٢٠٢٦/٨
. والأروع انها ستبدأ في مناطق البادية الجنوبية ، وتشمل ( ٦٠ ) مدرسة ، في
محافظات الكرك ، والطفيلة ، ومعان ، والعقبة . ويستمر المشروع في التوسع حتى يشمل
كافة محافظات المملكة ، ويغطي كافة المدارس الحكومية .
وسيتم في المرحلة الأولى تشغيل ( ١٢٠ ) حافلة ، حديثة ومجهزة
بأجهزة رقابة وتتبع وكاميرات مرتبطة بتطبيق الكتروني يستطيع الأهالي من خلاله تتبع
أبنائهم الطلبة خلال ذهابهم وعودتهم من المدارس .
ما هذا الإنجاز الوطني المتميز ، المُذهل ، الذي لم يكن يخطر على
بال أحد مطلقاً ، ولو قيل لمواطن ان الحكومة ستطبق هذه الخدمة للطلبة ، قبل سنوات
، لنُعت القائل بانه مجنون ، ومكانه مستشفى المجانين .
كما ان المشروع سيوفر آلاف فرص العمل . وهو مشروع متكامل ، ومجاني
، نعم مجاني.
شكراً حكومة الدكتور / جعفر حسان ، شكراً دولة الدكتور / جعفر
حسّان ، شكراً حكومتنا ، وشكراً لكافة الوزراء الذين لهم دور في تقديم هذه الخدمة
الحضارية المتميزة الجريئة.
وما يميز هذا المشروع ، ويضيف له نكهة خاصة انه يتم بالتعاون
مع القطاع الخاص ، حيث سيقوم إئتلاف شركات سنغافورية ، وصينية ، ومحلية بتوريد
الحافلات وتنفيذ المشروع.
شكراً حكومة على شعوركم من المواطنين الشرفاء الفقراء المسحوقين .
شكراً حكومة على شعوركم مع المواطنين والعمل على حلّ إحدى المشكلات التي يعانون
منها وليس لديهم حلول لها لضيق ذات اليد .

























