الكرامة ليست ذكرى... بل عقيدة دولة
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حدّاد
ليست الكرامة مجرد
معركةٍ في سجل التاريخ، ولا مجرد صفحةٍ مشرقةٍ نستعيدها في مناسبة وطنية ثم نطويها
مع انقضاء الذكرى. الكرامة، في معناها الأردني العميق، هي لحظةُ انبعاثِ دولة،
واستعادةُ أمةٍ لثقتها بنفسها، وإعلانٌ واضحٌ بأن هذا الوطن لم يكن يومًا أرضًا
سائبة، ولا قرارًا مستباحًا، ولا سيادةً قابلةً للكسر.
في الحادي والعشرين من
آذار عام 1968، لم يكن الجيش العربي الأردني يواجه عدوانًا عسكريًا فحسب، بل كان
يواجه امتحانًا تاريخيًا بالغ القسوة، بعد مرحلة عربية ثقيلة اختلط فيها الجرح
بالذهول، والانكسار بالغضب، والمرارة بقلق المصير. وفي تلك اللحظة، نهض الجندي
الأردني إلى موقعه لا بوصفه مقاتلًا يؤدي واجبًا عابرًا، بل بوصفه ابن دولة يعرف
أن شرف العسكرية من شرف الوطن، وأن الأرض لا يحميها إلا رجالٌ إذا حضر الخطر
حضروا، وإذا استُبيحت السيادة انتصبوا سدًا من نار وإرادة.
لقد قاتل الجيش العربي
الأردني في الكرامة بعقيدة الجيوش الراسخة، لا بانفعال الجموع. قاتل بثبات،
وانضباط، واحتراف، وإيمان عميق بأن الأردن ليس ساحة عبور، وليس هامشًا في خرائط
الآخرين، بل وطنٌ له جيش، وله راية، وله قرار. ومن هنا جاءت عظمة الكرامة: لم تكن
مجرد مواجهة ميدانية، بل كانت تثبيتًا لمعنى الدولة حين تتجسد في رجالها، ومعنى
السيادة حين تُصان بالفعل لا بالخطابة، ومعنى الوطنية حين تتحول من شعار إلى دمٍ
وصبرٍ وموقف.
ومن الإنصاف، بل من
الواجب الأخلاقي والقومي، أن يُذكر دور المقاومة الفلسطينية في تلك المعركة، فقد
كانت الكرامة أيضًا محطة مضيئة في سجل النضال الفلسطيني، وسقط فيها شهداء من
المقاتلين الفلسطينيين الذين واجهوا العدوان إلى جانب الجيش العربي الأردني. وقد
شكّل صمودهم المشترك صورةً عربيةً نادرة في زمنٍ كانت الأمة أحوج ما تكون فيه إلى
استعادة المعنى. غير أن الحقيقة التي لا يجوز تمييعها أو تجاوزها هي أن الجيش
العربي الأردني هو الذي حمل العبء الحاسم في تثبيت أرض المعركة، وفي الدفاع عن
السيادة الأردنية، وفي تحويل الاشتباك من عدوانٍ خاطفٍ إلى درسٍ قاسٍ في أن لهذا
الوطن حرّاسًا لا ينامون على ضيم.
ولأن الجيوش العظيمة لا
تعمل في فراغ، فإن الكرامة كانت أيضًا انعكاسًا مباشرًا لصلابة القيادة الأردنية،
ولرشد الدولة الأردنية وهي تدير أخطر اللحظات بعقلٍ باردٍ وإرادةٍ حارة. فالأردن،
عبر تاريخه، لم يكن دولة تهور، ولا دولة شعارات مرتفعة بلا حساب، بل دولة تعرف متى
تصمت، ومتى تصمد، ومتى تقاتل، ومتى تضع مصلحة الوطن فوق ضجيج المزايدات. وهذه هي
قوة القيادة الحقيقية: ليست في اللغة العالية، بل في القدرة على اتخاذ القرار
الصعب في الوقت الصعب، وعلى الجمع بين الحكمة والثبات، وبين البصيرة والشجاعة،
وبين حماية الدولة وصون كرامتها.
ومن هنا، فإن الكرامة
لم تكن حادثةً معزولة في تاريخ الجيش العربي، بل كانت تعبيرًا عن نهجٍ أردني ثابت.
هذا هو الجيش الذي حمل واجبه القومي إلى الجبهة السورية عام 1973 دفاعًا عن دمشق،
مؤكدًا أن عقيدته لا تنفصل عن عمقه العربي، وأن رسالته لا تقف عند حدود الجغرافيا
الضيقة حين يستدعي الواجب موقفًا مشرّفًا. وهذا هو الجيش نفسه الذي يواصل اليوم،
في زمن الإقليم المشتعل، حماية سماء الأردن وأرضه وحدوده، مستندًا إلى دولة تعرف
معنى البقاء، وقيادة تعرف أن أمن الوطن ليس ملفًا من ملفات السياسة، بل هو جوهر
الشرعية، وشرط الاستقرار، وركن السيادة الأول.
إن الكرامة، بهذا
المعنى، ليست فقط اسم معركة، بل اسم مدرسة. مدرسة تقول للأردنيين إن الأوطان لا
يحميها الضجيج، بل المؤسسات الصلبة، والقيادات الراسخة، والجيوش المحترفة، والشعوب
التي تعرف أن الالتفاف حول الدولة وقت الخطر ليس مجاملةً للحكم، بل دفاعٌ عن البيت
الواحد والمصير الواحد. وتقول للعرب أيضًا إن الأردن، رغم محدودية موارده، كان
دائمًا كبيرًا في موقفه، واضحًا في بوصلته، شريفًا في معاركه، لا يبيع الوهم، ولا
يتاجر بالدم، ولا يتخلّى عن واجبه حين تحضر ساعة الامتحان.
رحم الله شهداء الجيش
العربي الأردني، ورحم شهداء فلسطين، وأبقى الأردن قويًا بقيادته، عزيزًا بجيشه،
ثابتًا بشعبه.
فالكرامة لم تكن يومًا
ماضٍ يُروى، بل حاضرٌ يُصان، وعهدٌ يتجدد، وعقيدةُ دولةٍ تعرف كيف تبقى.

























