ما بعد هذه المرحلة: ماذا يجب أن يتعلّمه العرب، وماذا عليهم أن يفعلوا الآن
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
يجب ألّا تُقرأ المرحلة
الأخيرة من القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على أنها نهاية حرب، بل
الأصح أن تُفهم باعتبارها ختامًا لمرحلة من مواجهة أوسع ما تزال منطقاتها
الاستراتيجية تتكشف، وما تزال أدواتها ومخاطرها بعيدة عن الاستنفاد. والدليل على
ذلك واضح. فحتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بقيت
حركة الملاحة في مضيق هرمز دون 10% من معدلاتها الطبيعية في 9 نيسان/أبريل 2026.
وقد أفادت رويترز بأن عدد السفن العابرة يوميًا
هبط إلى عدد محدود جدًا بدلًا من نحو 140 سفينة كانت تعبر عادة، فيما بقيت مئات
الناقلات عالقة، وظل جزء كبير من الإمدادات النفطية العالمية تحت ضغط شديد. وفي
الوقت نفسه، أدّت الهجمات على البنية التحتية للطاقة في السعودية إلى خفض إنتاج
النفط وتقليص التدفق في خط أنابيب الشرق–الغرب، بينما بقيت الجبهات الإقليمية
الأوسع في حالة اضطراب. وهذه ليست علامات سلام مستقر، بل مؤشرات صراع يبدّل شكله
فيما يحتفظ بزخمه الاستراتيجي.
أول درس للعرب هو أنهم
يجب أن يتوقفوا عن قراءة كل انفجار على أنه حادثة منفصلة قائمة بذاتها. فالمنطقة
أصبحت مسرحًا واحدًا مترابطًا تتفاعل فيه الممرات البحرية، وخطوط الأنابيب، وتبادل
الضربات الصاروخية، والجبهات الحدودية، والدبلوماسية، والضغط الاقتصادي في الزمن
نفسه. فعندما يضطرب هرمز، تضيق تدفقات التصدير الخليجية، وتقفز الأسعار، وترتفع كلفة
التأمين، وتختنق سلاسل الإمداد، وتتعرض موازنات الدول للضغط. وعندما تُصاب
المسارات البديلة، يتعمق المأزق أكثر.
وهذا يعني أن التفكير
الاستراتيجي العربي لا يجوز أن يبقى مجزءاً، وردّ فعل، ومحكومًا بملفات محلية
ضيقة. بل يجب أن يصبح تفكيرًا تكامليًا، استباقيًا، قائمًا على إدراك أن المرحلة
المقبلة قد تأتي عبر أداة مختلفة، ولكن ضمن الصراع نفسه.
أما الدرس الثاني فهو
أشد قسوة، لكنه يجب أن يُقال بوضوح كامل: إن الاعتماد على القوى الأجنبية في
الدفاع عن الدول العربية هو وهم استراتيجي. فالقوى الخارجية تتحرك وفق مصالحها،
وضغوطها الداخلية، وحساباتها الخاصة للكلفة والمنفعة. قد تتدخل، وقد تردع، وقد
تفاوض، وقد تهدد، وقد تتوقف، وقد تتوسط، لكنها لا تحمل أمن العرب بوصفه واجبًا
تاريخيًا ثابتًا. كما أنها لا تتحمل كلفة الانهيار الإقليمي كما تتحمله شعوب
المنطقة. وقد أثبتت هذه المرحلة مرة أخرى أن القوى الخارجية تستطيع التأثير في
الأحداث، لكنها لا تبني أمنًا عربيًا مستدامًا نيابةً عن العرب. فهذه المسؤولية
تبقى، في التحليل النهائي، مسؤولية عربية أولًا وأخيرًا.
ومن هنا يترتب الدرس
الثالث: أن الأمن العربي يجب أن يُعاد بناؤه على أسس القوة الداخلية، والاعتماد
على الذات، والانضباط المؤسسي، والتنسيق الإقليمي الجاد. وهذا لا يعني الانعزال عن
العالم، ولا رفض الشراكات الدولية، بل يعني فهم الترتيب الصحيح لأولويات الأمن.
فالعلاقات الخارجية قد تسند الأمن الوطني، لكنها لا يمكن أن تحلّ محلّه.
إن الأمن الحقيقي يقوم على مؤسسات متماسكة،
وبنية تحتية محمية، وأنظمة قيادة منسجمة، وقدرة اقتصادية على الصمود، وجاهزية
سيبرانية، ودفاع مدني فعّال، واحتياطات استراتيجية، ونضج سياسي يذهب أبعد من عنوان
الخبر التالي. وقد أظهرت هذه الأزمة أن السلاح الاقتصادي بات يكاد يوازي السلاح
العسكري أثرًا. فالحرب بيّنت أن المضيق، أو خط الأنابيب، أو المصفاة، أو الممر
البحري، يمكن أن يصبح حاسمًا بقدر ما تكونه بطارية الصواريخ.
أما الأردن، فعليه أن
يقرأ هذه الدروس بأقصى درجات الجدية. فالأردن ليس بلدًا يستطيع أن يحتمل أوهامًا
استراتيجية أو ارتجالًا عاطفيًا. إن قوته الحقيقية تكمن في التماسك، والتوازن،
واستمرارية المؤسسات، واحترافية الأجهزة الأمنية، ورجاحة التقدير.
وفي منطقة تحكمها على
نحو متزايد دورات التصعيد، فإن دور الأردن ليس أن يُسحب من نار إلى نار، بل أن
يبقى ثابتًا بينما يفقد الآخرون توازنهم الاستراتيجي. غير أن الثبات يجب ألّا
يتحول إلى سكون سلبي. فعلى الأردن أن يواصل تعزيز احتياطاته الاستراتيجية، وحماية
بناه التحتية، وجاهزية حدوده، ودفاعه السيبراني، ومناعته المدنية، وأن يعمّق في
الوقت نفسه قيمته كجسر دبلوماسي وصوت عربي عاقل في زمن التفتت. ففي عصر الصراعات
متعددة المراحل، تنجو الدول الأكثر قدرة على البقاء متماسكة فيما تُسحب المنطقة من
حولها نحو الفوضى.
غير أن هناك درسًا
رابعًا ذا أهمية عملية مباشرة، ولا سيما لدول الخليج والعراق: لقد انتهى زمن
الاعتماد شبه الكامل على نقطة اختناق تصديرية واحدة. فقد كان العراق الأكثر تضررًا
بين المنتجين الخليجيين للنفط، تحديدًا لأنه يفتقر إلى مسارات تصدير بديلة كافية
خارج مضيق هرمز. وهذه الحقيقة وحدها إنذار استراتيجي من أعلى درجة. فالدولة التي
يعتمد شريانها الاقتصادي على ممر واحد هشّ، تبقى مكشوفة أمام الأزمة التالية قبل
أن تنتهي الأزمة الحالية.
وبناءً على ذلك، ينبغي
لدول الخليج، بما فيها العراق، أن تتحرك الآن، وبإلحاح وجدية، لتطوير مسارات بديلة
لتصدير النفط والغاز عبر عُمان، والأردن، وحيثما تسمح الظروف السياسية والتشغيلية،
عبر سوريا أيضًا. ولم يعد هذا مجرد خيار بنيوي يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة من
ضرورات الأمن الوطني. لقد برهن خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، كما برهن مسار
حبشان–الفجيرة في الإمارات، على القيمة الاستراتيجية للممرات البديلة التي تتجاوز
هرمز، حتى وإن كانت هذه البدائل نفسها قد تتعرض للهجوم. والعبرة ليست أن بديلًا
واحدًا يحل المشكلة إلى الأبد، بل أن التنويع ذاته أصبح الآن ضرورة لا غنى عنها.
فعُمان، بحكم
الجغرافيا، تتيح منفذًا إلى بحر العرب خارج اختناق المضيق. والأردن يوفّر منفذًا
إلى البحر الأحمر عبر العقبة، في بيئة عبور منضبطة سياسيًا ومؤسسيًا. أما سوريا،
فعلى الرغم من تعقيداتها الكثيرة، فإنها تبقى ذات أهمية استراتيجية لأي ممر
مستقبلي من الشرق إلى المتوسط، إذا ما سمحت الظروف السياسية، وإعادة تأهيل البنية
التحتية، وحقائق العقوبات، بذلك في مرحلة لاحقة. ومن هنا، ينبغي أن يبدأ التخطيط
الاستراتيجي العربي من الآن، حتى لو كان التنفيذ نفسه لا بد أن يتم على مراحل.
فالمستقبل ليس لمن يفكر بعد الحصار، بل لمن يفكر في الممرات قبل الحصار.
وعليه، يجب على العالم
العربي أن يتبنى مبدأً جديدًا: النفط والغاز يجب أن تكون لهما مخارج عربية متعددة.
ولا يجوز أن يبقيا أسيرين لممر ضيق واحد يمكن عسكرته، أو تهديده، أو التفاوض عليه،
أو إبطاء حركته إلى حد الشلل في قلب الحرب. إن المرونة التصديرية نحو بحر العرب،
والبحر الأحمر، وربما مستقبلًا نحو شرق المتوسط، يجب أن تُعامل بوصفها جزءًا من
عقيدة عربية أشمل للمناعة الاستراتيجية. فالمسألة ليست مسألة تجارة فقط، بل مسألة
استمرارية الدول، والبقاء المالي، والاستقلال السياسي. والمنطقة التي تفشل في
تنويع شرايين طاقتها، تترك نفسها مكشوفة على الدوام للابتزاز والإكراه.
وهناك أيضًا درس سياسي
أوسع. فالخطر الأشد لم يعد بعيدًا عن إسرائيل نفسها. فكل جولة تصعيد توسّع دائرة
النار، وتدفع بنتائج الرد والارتداد نحو مركز الصراع، وتبدد الوهم القائل إن الحرب
يمكن تصديرها إلى الخارج إلى ما لا نهاية مع إبقائها قابلة للسيطرة في الداخل.
فعندما تختنق الممرات البحرية، وتضطرب أنظمة الطاقة، وتشتعل الجبهات المحيطة،
وتبدأ الاقتصادات الأوسع في امتصاص الصدمة، يتوقف الصراع عن كونه حملة مضبوطة،
ويبدأ في التحول إلى أزمة إقليمية شاملة ذات طبيعة بنيوية. ولهذا السبب بالذات،
يجب على العرب أن يفكروا بعقلانية وبناء، لا بانفعال وموسمية.
وفي التحليل الأخير،
فإن الذي انتهى ليس الحرب، بل مرحلة منها. والدول العربية الحكيمة لن تسترخي
مبكرًا، ولن تسلّم مصيرها لحماية خارجية، ولن تواصل إبقاء شرايينها الحيوية رهينة
نقطة اختناق واحدة. بل ستتهيأ لمعركة أطول. وستقوي نفسها من الداخل. وستنسق مع
بعضها بعضًا بقدر أكبر من الجدية. وستبني المسارات البديلة قبل أن تُجبر على
بنائها تحت النار. وستفهم أن البقاء في مثل هذا الزمن لا يكون للدول الأعلى
ضجيجًا، بل للدول الأكثر انضباطًا، ومناعةً، واستعدادًا استراتيجيًا.
























