إيران والخليج بعد أن تضع الحرب أوزارها
كتب: عريب الرنتاوي
هي المجازفة بعينها، أن
نتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فيما الحرب لم تضع
أوزارها بعد، وسيناريو تجددها على نطاق واسع، ما زال حاضراً بقوة على الطاولة،
وفيما الأطراف تستعد لها كما لو أنها واقعة غداً، وحيث تُبدّل الأطراف أسلحتها
وأدواتها، من القصف المتبادل بالغارات والصواريخ التدميرية، إلى تعطيل الملاحة
وفرض الإغلاق وممارسة الحصار البحري.
لكن ذلك، لا يمنع
المراقب من إجراء بعض "التمارين الذهنية" المستندة إلى نماذج وتجارب في
"فض النزاعات وإدارتها وحلّها"، وما يتيسر من معطيات تحيط بمواقف ومواقع
الأطراف المتحاربة، فالحرب وإن كانت فصولها ما زالت جارية، إلا أنها تكشّفت حتى
الآن، عن جملة من المعطيات التي يمكن البناء عليها عند "تقدير الموقف"،
ومن بين أبرزها:
أولاً؛ صمود إيران
وتماسك نظامها، وانهيار الرهانات على "ثورة من الداخل" تطيح بنظام
الثورة الإسلامية، ونجاح القيادة الإيرانية، في منع أعتى قوتين: إقليمية (إسرائيل)
وعالمية (الولايات المتحدة)، من تحقيق أهداف هذه الحرب بسقوفها المرتفعة (ومطالبها
المفرطة) التي بدأت بها ... تلكم حقيقة باتت تتسرب إلى مضمون الخطابين الأمريكي
والإسرائيلي سواء بسواء...لا نصر مطلقاً، ولا أهداف "عظيمة" جرى تحقيقها،
باستثناء الدمار الكبير في البنى التحتية المدنية، وإلحاق أضرار بالبنى العسكرية،
لم تصل بشهادة المُعتدين أنفسهم، حد تقليع أنياب إيران وتقليم مخالبها...إيران
باقية، قد تتمدد وقد لا تمدد، ولكنها باقية وتلكم واحدة من أهم حقائق الجيوبوليتكس
الخليجي، ولا مناص لدول الخليج من التعامل مع هذا المُعطى.
ثانياً؛ نجاح إيران في
استخدام معظم (وليس جميع) أوراق القوة التي بحوزتها، وليس المقصود هنا، ما يمكن أن
تكون قد توفرت عليه من أسلحة في ترسانتها الحربية لم يكشف عنها بعد، بل أيضاً بما
يمكن أن تحركه من جبهات فاعلة ومؤثرة (اليمن بما يتوفر عليه من قدرة وموقع على
سبيل المثال)، إيران نجحت في تعميم الحرب على جبهات اشتملت على ما يقرب من دزينة
من الدول، إنفاذاً لواحدة من الفرضيات المؤسسة لنظريتها في الأمن القومي، بدل حصر
الحرب في الجغرافيا الإيرانية، أما الفرضية الثانية، فتتجلى في تحويل الطاقة
(مصادر انتاج وطرق إمداد) إلى ميدان من ميادين الحرب، فيما الفرضية الثالثة، التي
وصفها البعض بـ"نووي إيران"، فتتمثل في ورقة مضيق هرمز، والتي لم تفقد
قيمتها بفعل الحصار الأمريكي المضروب على الموانئ الإيرانية، كما يبالغ البعض، إن
لأسباب تتعلق بخبرة إيران وقدرتها على تخطي الحصار، أو لأخرى تتصل بتراجع إمدادات
النفط والغاز المصدرة من الدول المعتمدة كلياً أو جزئياً على المضيق...إيران
تستخدم "أصول" جيرانها ومصادر تفوقهم كأسلحة في هذه الحرب، والمضيق قد
لا يعود إلى ما كان عليه، ووحدها علاقات تعاون طبيعية، يمكن أن تجلب المنافع
للجميع أو على أقل تقدير، تدرأ الضرر.
ثالثاً؛ تفاقم الإحساس
الخليجي بالتخلي والخذلان الأمريكيين، وشموله معظم إن لم نقل جميع دول مجلس
التعاون، ليحل محلّه إحساس آخر، مفاده أن إيران بنظامها القائم، باقية، وأن
"مخاطر الصفقة" قد تجعل من خسائر دول الخليج مجرد "أضرار
جانبية" من وجهة نظر طرفي الحرب...لكن مع ذلك، يتعين القول أنه في الوقت الذي
قد تبدو فيه دول الخليج بحاجة للسلاح الأمريكي المتطور، وقد أثبت نجاعته
"جزئياً" في هذه الحرب عندما استخدم من قبل جيوش هذه الدول، ونجح في صدّ
نسبة كبيرة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، إلا أن من المشكوك فيه أن تظل هذه
الدول على قناعتها القديمة، بأن القواعد الأمريكية على أراضيها، يمكن أن تشكل جدار
حماية لها، فأول شيء فعلته واشنطن، هو إخلاء العديد منها، وثاني شيء فعلته، هو
تكريس ما تبقى من طاقتها الاعتراضية لحماية إسرائيل وليس للدفاع عن الدول
المضيفة...وربما نشهد نقاشاً ومفاضلة بين حاجتين: السلاح الذي يمكن أن تتعدد
مصادره من دون التخلي عن المصدر الأمريكي، والقواعد التي تتحول شيئاً فشيء من ذخر
لها إلى عبء عليها.
رابعاً؛ لم تكن دول
مجلس التعاون الخليجي على قلب رجل واحد عند اندلاع الحرب، قبلها، كانت هناك
"حرب بالوكالة" بين الرياض وأبو ظبي في اليمن والسودان وأرض الصومال،
وفي سياقات الحرب، تفاوتت ردود أفعال هذه الدول، واختلفت مقارباتها، بعضها
(الإمارات) سنعرف لاحقاً، أنها اعتمدت القبة الحديدية الإسرائيلية، من ضمن منظوماته
الدفاعية، وهي تنوي زيادة اعتماديتها على تل أبيب وتوثيق أواصر التطبيع معها،
بعضها الآخر (عُمان) اختار لنفسه موقع "الحياد الإيجابي النشط"، ندد
بالعدوان الأمريكي-الإسرائيلي، ولاحقاً، انتقد بشدة الاستهدافات الإيرانية لدول
الخليج، وبين هذين الحدّين، ثمة مروحة من المواقف الخليجية من الحرب، تكاد تكون
بعدد الدول المتبقية.
خامساً؛ ليس الاختلاف
الخليجي حول الحرب مقتصراً على تباين أولويات دول المجلس، بل أن ثمة دولاً غيّرت
مواقفها مع تطور الحرب ذاتها...في بدايات الحرب، أخطأت بعض الدول الخليجية الحساب
والتقدير، حتى أن كبريات الصحف والمواقع الإخبارية العالمية تناقلت تسريبات عن
اثنتين منها على الأقل، السعودية والإمارات، تشي بتأييدها لحرب حاسمة وحضًها
عليها...حربٌ لا تنتهي إلا بإنهاء النظام أو استسلامه، لكن هذه الدول، عادت وغيّرت
من مواقفها، بعد أن تكشّف لها صمود إيران وثباتها، وبعد أن انجلت على أبصارها صور
البوارج الحربية وحاملات الطائرات، وغابت عن أسماعها قعقعة سيوف الحرب
وضجيجها...لولا صمود إيران، لكانت دول خليجية عدة، في مطرح آخر اليوم، والمؤكد أن
مستقبل العلاقة بين ضفتي الخليج، سيكون محكوماً بهذا المُعطى.
سادساً؛ تكشّفت الحرب
عن المزيد من انعدام الثقة بقدرة "المنظومة العربية" على الدفاع عن
نفسها، أو مدّ يد العون لمن هو في أمس الحاجة إليها...ذهبت دول خليجية عدة، بعد
تآكل الثقة بالمظلة الأمريكية للبحث عن مظلات إقليمية بديلة: بعضها ما زال يرى في
إسرائيل هذه المظلة، ولو من باب المكابرة، أغلبها يمم وجهه شطر إسلام آباد وأنقرة،
لم نسمع شيئاً عن القاهرة كشقيقة كبرى، ولم تتكرر عبارة "مسافة السكة"
هذه المرة، ولكل فريق أسبابه ودوافعه، التي لن نخوض فيها في هذه المقالة، كما أننا
لن ننزلق لحرب الاتهامات والمهاترات التي توالت فصولها على صفحات وسائل التواصل
وفي وسائل إعلام الأفرقاء، وبخلاف ما يتردد من "تفكير رغائبي"، يبدو
أننا ما زلنا بعيدين عن بناء منظومة أمن قومي عربي، بل وبعيدين كذلك، عن بناء
منظومة أمن إقليمي خليجي، والأرجح أن الهياكل والأطر الأمنية الجديدة التي ستنبثق
بعد الحرب، ستأخذ دولاً عربية وخليجية مختلفة، باتجاهات مختلفة، ومن المشكوك فيه
الآن أن تتحول "رباعية" الباكستان، السعودية، تركيا ومصر، إلى تحالفٍ
إقليمي أصلب للأمن والتعاون، لكن المؤكد أن هذا الإطار قد يلعب دوراً متزايداً في
إطار التنسيق والتعاون.
سابعاً؛ أدركت دول خليجية
أن أمنها ورفاهها ومصادر استقرارها وازدهارها، لن تكون في مأمن إن هي ناصبت طهران
أشد العداء، وأن إيران قادرة على "قلب الطاولة"، و"هدم
المعبد" وتجاوز كل الخطوط الحمراء، حين يتعلق بالأمر بمستقبل نظامها وسلامة
أراضيها، وأن أحداً لن يهب زرافات ووحدانا، للذود عنها إن جَدّ الجد، وأن الخيار
الأسلم للاعبين الدوليين الكبار، سيكون بالتفاهم مع إيران وليس على أنقاضها ...
ولّد هذا الإدراك مقاربات أكثر عقلانية في إدارة الأزمة وحدد الكيفية التي ستدير
بها هذه الدول علاقاتها الشائكة والمعقدة مع الجارة الكبيرة على الضفة الأخرى
للخليج...لا سفارات أغلقت ولا سفراء طردوا (مع أنها كانت تفعل ذلك لأسباب أقل
أهمية بكثير من تعرض منشآتها الحيوية للقصف)، وظلت قنوات التواصل الدبلوماسي نشطة
ومفتوحة، وبعضها (السعودية بالذات) قرر على ما يبدو الانتقال من الصراع إلى
التعاون مع طهران، ثنائياً وفي ملفات الإقليم الملتهبة (لبنان واليمن).
بخلاف النبوءات
المتشائمة التي سادت أثناء الحرب حول مستقبلٍ مظلم ينتظر العلاقات بين ضفتي الخليج
العربي، يبدو أن التردد والارتباك والأنانية التي ميّزت الأداء الأمريكي في هذا
الحرب، معطوفاً على وحشية إسرائيلية وشهية مفتوحة للهيمنة والتوسع، مضافاً إليها
في المقابل، صمود إيران وتماسك نظامها، سيدفع هذه العلاقات باتجاهات مغايرة...قد
لا تخرج إيران من هذه الحرب كقوة عالمية رابعة، كما يضخم بعض الإعلام الغربي
المسألة، ولكنها بالقطع، ستخرج قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب، ومن مصلحة الجميع،
الانتقال في أسرع وقت ممكن، للعمل على بناء منظومة إقليمية للأمن والتعاون، من دون
واشنطن وبلا قيادتها، وبالأخص، من دون إسرائيل بل في مواجهتها، منظومة تشتمل على
الدول العربية الوازنة، بالإضافة لتركيا وإيران، ومن ورائها الباكستان، التي تُظهر
حضوراً متزايداً في ملفات الشرق الأوسط والخليج، وكما لم يحدث من قبل.

























