الجيل الجديد في قفص الإتهام
تمارا خزوز *
طالما وُجِّهت الاتهامات إلى جيل Z بالعزوف
عن المحتوى العربي بمختلف أشكاله، لا بل بمحاربة هذا المحتوى مجاراةً للثقافة
الغربية، أو تعاليًا اجتماعيًا، أو انسلاخًا عن الجذور والهوية.
هذا الجيل الذي وُضع طويلًا في قفص الاتهام، قدّم اليوم صكّ براءته
في الدفاع عن غزة، مستخدمًا لغته وأدواته ومنصاته التي طالما انتقدناها. والمفارقة
أنَّ أكثر الأصوات تأثيرًا جاءت من أبناء المهجر الذين لا يتقنون لغتهم الأم،
لكنهم استبسلوا في صياغة رسائل فاقت في قوتها كل محاولاتنا التقليدية؛ تلك التي لم
تورثنا سوى عبقرية العجز.
هذه الحالة تكشف بوضوح أنَّ أزمة هذا الجيل مع المحتوى العربي ليست
أزمة هوية ولا فجوةً طبقية، بل هي أزمة في جودة المضمون وقوة الإقناع. فالجيل
الجديد لا يبتعد عن هويته، بل ينفر من ضعف التعبير عنها، ومن تقديمها في قوالب
جاهزة تفتقر للعمق، بدلًا من صياغة سردية صادقة تخاطب العقل وتلامس الوجدان.
الأمر ذاته ينطبق على المحتوى العادي، بعيدًا عن قضايا الهوية
الشائكة؛ إذ لم يعد الجيل حبيس خياراته المحلية في ظل الانفتاح الرقمي. المقارنة
اليوم أصبحت لحظية ومباشرة: بين محتوى عالمي يمتلك الجرأة على الابتكار، وبين
محتوى محلي يتحفّظ ويكرّر ذاته.
الانفتاح الرقمي لم يخلق الأزمة، بل كشفها بوضوح؛ فمنذ الثمانينيات،
توقفنا تقريبًا عن تقديم مادة إبداعية تشكّل الوعي الجمعي للمتلقي العربي الصغير.
ولنتذكر كيف نجحت عمليات الدبلجة والتعريب آنذاك في تحويل الأدب العالمي إلى
مرجعية وجدانية لجيلنا؛ حيث شكّلت أعمال مثل "في قصص الشعوب"،
و"الكابتن ماجد"، و"ساندي بيل"، و"ساسوكي"، وصولًا
إلى البرامج التربوية كـ "المناهل" و"افتح يا سمسم"، نماذج
لمشاريع مكتملة الأركان؛ نصًا، وأداءً، ولحنًا.
هذا الأداء الاستثنائي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة وجود حواضن إنتاجية
وفكرية أدركت قيمة الرسالة الموجّهة للطفل؛ كمؤسسة "الإنتاج البرامجي المشترك
لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية" في الكويت، و"مجموعة المركز
العربي" في الأردن، وأستوديوهات الدبلجة الرائدة في لبنان وسوريا ومصر
والعراق، التي نجحت في صهر الثقافة العالمية بلسان عربي مبين.
فما الذي حدث؟ وكيف تراجعنا في زمن التقدّم؟ وكيف استسهلنا لوم الجيل
الجديد، بينما خسرناه منذ الطفولة؟ ومتى نعترف بأننا أمام أزمة مركّبة من صنع
أيدينا، لا مؤامرة كونية موجّهة إلينا؟
حساسية المجتمع تجاه الإبداع، وتحميله أبعادًا أخلاقية ودينية
واجتماعية، حوّلت الأعمال الفنية إلى ساحة محاكمة لا إلى مساحة نقاش، تُعامل
كإساءة لا كمنتج قابل للنقد. والنتيجة بيئة تُقيّد التعبير بدل أن تطوره. سنوات من
تضييق المجال العام على الإبداع، وتداخل الرقابة السياسية والاجتماعية والدينية،
فرضت حدودًا صارمة حولت الفن والإبداع من مساحة تعبير إلى ساحة محاكمة؛ والنتيجة
لم تكن محتوىً "آمنًا"، بل منتجًا محدود الخيال يكرّر نفسه ويفقد عمقه
الإنساني.
ظاهرة K-Pop-Drama كافية لتكشف عمق هذا التحول؛ فقد وصلت هذه الموجة إلى العالم العربي
عبر الموسيقى والدراما والسينما، ولم تبقَ حكرًا على النخب أو المتحدثين
بالإنجليزية والفرنسية، بل امتد تأثيرها إلى أحياء شعبية في مصر، معقل الإبداع
الفني، بما ينفي عن هذا الجيل تهمة الطبقية أو الانحصار داخل "فقاعات"
لغوية أو اجتماعية.
وأمام هذا المشهد، واستمرار
تعاطي النخب الفنية والإبداعية على أنه أمر واقع، يُكرّس بيئة تُقيّد الإبداع بدل
أن تطوّره. غادرنا جيلٌ بأكمله نحو ثقافاتٍ بعيدة وجد فيها ضالته؛ ثقافات لم
تستهدفنا على عكس ما يُروَّج، ومنصات لم تقتحم مجتمعنا، بل هو من اقتحمها هربًا من
محتوى رديء لا يحترم عقل الجيل الجديد، ولا يوفر مساحةً تحترم فضوله وتحاكي واقعه،
في هجرةٍ اختيارية كشفت أنَّ الأزمة لم تكن يومًا في الجيل وانتمائه، بل في رداءة
ما يُقدَّم له باسم الهوية والحماية.
























