شريط الأخبار
رفع مستوى خطر تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية إلى "مرتفع جدًا" دواء تجريبي جديد لعلاج السمنة يتفوق على "أوزمبيك" و"ويغوفي"! دول أوروبية تدعو الاحتلال إلى وقف توسعه الاستعماري بالضفة الغربية هولندا تحظر بضائع المستوطنات الإسرائيلية وتدعو أوروبا إلى خطوات مماثلة الأردن يدين محاولات إسرائيلية لإدخال قرابين إلى باحات الأقصى الأردن .. يُنقِذ الأرشيف الفلسطيني بارك الله في زيتوننا وزيتنا.. لكن ماذا عن الغش؟! الأونروا ليست وكالة إغاثة فقط… بل أرشيف شعب الهيئة العامة لنقابة المحامين تقر تعديلات على أنظمة النقابة ولي العهد والأميرة رجوة يزوران أحد أكبر مراكز التدريب الصناعي والمهني في ألمانيا "الخيرية الهاشمية" و"الحملة الاردنية" توزعان كسوة العيد بغزة احباط محاولة تهريب كمية كبيرة من المخدرات بواسطة طائرتين مسيّرتين "واينت":صور أقمار صناعية تكشف أضرارًا بقواعد عسكرية إسرائيلية خلال الحرب مع إيران ولي العهد يلتقي وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية في برلين تعديل الفيزا السياحية السعودية للأردنيين.. باتت صالحة لسنة الجرائم الإلكترونية تحذر من الابتزاز والاحتيال بالذكاء الاصطناعي اعلام سعودي: مسودة اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران زين تطلق احتفالاتها الأضخم بالاستقلال بحضور نشامى المنتخب الوطني 70 الف مصل يحتشدون بالاقصى لصلاة الجمعة ملادينوف يعلن "خريطة طريق" من 15 بندا لتنفيذ خطة ترامب في غزة

الأونروا ليست وكالة إغاثة فقط… بل أرشيف شعب

الأونروا ليست وكالة إغاثة فقط… بل أرشيف شعب


بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

لا ينبغي فهم الحملة ضد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، المعروفة باسم الأونروا، على أنها مجرد خلاف حول المساعدات الإنسانية، أو المدارس، أو العيادات، أو توزيع الغذاء، أو حتى الاتهامات المتعلقة بالاختراق الأمني. فهذه القضايا مهمة بلا شك، لكنها لا تفسر العمق الكامل للصراع الدائر حول هذه الوكالة.

 فالسبب الأعمق هو أن الأونروا تمثل شيئًا أكثر حساسية بكثير: إنها تحفظ الذاكرة المؤسسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

فعلى مدى عقود، لم تكن الأونروا مجرد جهة تقدم الخدمات للاجئين الفلسطينيين. لقد قامت بتسجيلهم، وتوثيق تاريخ عائلاتهم، وحفظ صفتهم كلاجئين، والاحتفاظ بسجلات تربط العائلات بأماكنها الأصلية. وهذه السجلات ليست أوراقًا إدارية عادية، بل هي جزء من البنية القانونية والتاريخية والسياسية للقضية الفلسطينية.

ومن هنا تأتي الأهمية البالغة للتقارير الأخيرة التي تحدثت عن إنقاذ ونقل وثائق أرشيف الأونروا من غزة والقدس الشرقية إلى عمّان. فوفقًا لتقارير دولية، نفذت الأونروا عملية حساسة لحماية كميات كبيرة من سجلات اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك بطاقات التسجيل، وملفات العائلات، وشهادات الولادة والزواج والوفاة، وغيرها من الوثائق المرتبطة بأجيال متعاقبة من اللاجئين الفلسطينيين. كما أشارت بعض التقارير إلى أن وثائق من غزة نُقلت عبر مصر ثم إلى الأردن، حيث تجري جهود لرقمنة ملايين الوثائق وحفظها.

ولا يمكن المبالغة في أهمية هذه الوثائق. ففي أي تسوية سياسية مستقبلية، ستكون قضايا العودة، واسترداد الحقوق، والتعويض بحاجة إلى أدلة. من هم اللاجئون؟ ومن أين جاؤوا؟ وأي العائلات هُجّرت؟ وما هو التسلسل العائلي والوثائقي من الجيل الأول إلى الأجيال الحالية؟ من دون السجلات، تصبح الحقوق أسهل في الإنكار. أما بوجود السجلات، فإن قضية اللاجئين تبقى موثقة، وقابلة للتتبع، وحية من الناحية القانونية.

وهنا يمكن فهم سبب حساسية الأونروا بالنسبة لإسرائيل. فالاعتراضات الإسرائيلية المعلنة تركز كثيرًا على الاتهامات الأمنية، وعلى الادعاء بأن الأونروا قد تعرضت للاختراق من قبل حماس. وقد تم تداول هذه الاتهامات على نطاق واسع، وقامت الأونروا بإنهاء خدمات بعض الموظفين بعد التحقيق في مزاعم محددة. وفي المقابل، أكدت الأونروا والأمم المتحدة أن الاتهامات العامة الواسعة ضد الوكالة لم تكن دائمًا مدعومة بأدلة كافية.

لكن القضية تتجاوز البعد الأمني. فإسرائيل ترى في الأونروا وكالة تُبقي قضية اللاجئين الفلسطينيين حية عبر الأجيال. وعلى خلاف كثير من حالات اللجوء التي يتم استيعابها تدريجيًا ضمن أنظمة أخرى، بقي ملف اللاجئين الفلسطينيين معترفًا به دوليًا من خلال تفويض الأونروا، ونظام التسجيل، والمخيمات، والمدارس، والخدمات الصحية، والأرشيف التاريخي.

ومن وجهة نظر إسرائيل، يمثل هذا الأمر مشكلة استراتيجية. فالأونروا لا تقدم خدمات للاجئين فقط، بل تحفظ أيضًا الوضع غير المحسوم للاجئين. إنها تذكّر العالم بأن القضية الفلسطينية لم تبدأ بالحروب الأخيرة، ولا بالصراع السياسي الحالي، بل بجذور التهجير التي بدأت عام 1948 وما زالت دون حل.

ومن هذا المنظور، فإن إنهاء الأونروا سيحقق أكثر من تغيير إداري. فهو سيضعف أحد أهم الهياكل المؤسسية التي تُبقي ملف اللاجئين مرئيًا أمام العالم. كما سيحوّل القضية من قضية لاجئين قائمة على الحقوق إلى مشكلة إنسانية عامة. وبدلًا من التعامل مع الفلسطينيين كلاجئين أصحاب مطالب تاريخية موثقة، يمكن التعامل معهم فقط كفئات ضعيفة بحاجة إلى إغاثة أو نقل أو مساعدات اقتصادية.

وهذا فرق جوهري.

فالمساعدات الإنسانية يمكن أن تقدمها وكالة أخرى. والطرود الغذائية يمكن أن توزعها منظمة أخرى. والمدارس والعيادات يمكن، من الناحية النظرية، نقلها إلى جهة إدارية أخرى. لكن التوثيق التاريخي والقانوني للجوء لا يمكن استبداله بسهولة. فالأرشيف هو ذاكرة القضية. وهو المسار الورقي للتهجير والاقتلاع. وهو الجسر الوثائقي بين النزوح الماضي والمطالب المستقبلية.

ومن هنا، فإن دور الأردن في حفظ هذه السجلات ليس مسألة لوجستية بسيطة. بل هو مسؤولية تاريخية. فالأردن يستضيف عددًا كبيرًا من اللاجئين الفلسطينيين، وكان دائمًا مرتبطًا بشكل مباشر بتداعيات القضية الفلسطينية غير المحسومة. إن حماية هذه الوثائق في عمّان، ودعم حفظها ورقمنتها، يساعدان على ضمان عدم محو الحقوق الفلسطينية بفعل الحرب، أو الضغط السياسي، أو انهيار المؤسسات، أو التدمير المادي.

ولهذا، ينبغي ألا تخدعنا كلمة "أرشيف”. فهذه ليست أوراقًا ميتة موضوعة في صناديق. إنها أدلة حية. وقد تكون مطلوبة يومًا ما في المفاوضات، أو آليات التعويض، أو لجان المطالبات، أو إجراءات لمّ الشمل، أو نقاشات الملكية، أو أي تسوية جدية تتعامل مع العدالة بدلًا من الاكتفاء بإدارة آثار الظلم.

وعليه، فإن الهجوم على الأونروا هو أيضًا هجوم على التوثيق. إنه صراع على الذاكرة، والهوية، والاستمرارية القانونية. فإذا اختفت سجلات اللاجئين، يصبح من الأسهل تمييع قضية اللاجئين. وإذا تم تفكيك الأونروا دون وجود آلية قانونية مكافئة تحل محلها، فقد يخسر ملايين الفلسطينيين ليس فقط الخدمات، بل أيضًا الحارس المؤسسي لوضعهم التاريخي.

ولا يعني ذلك أن الأونروا يجب أن تكون فوق الإصلاح. فلا توجد وكالة دولية يجب أن تُعفى من المساءلة، والشفافية، والحياد الصارم. وأي مخالفة مثبتة يجب أن تُحقق وتعالج. لكن الإصلاح شيء، والتفكيك شيء آخر. الإصلاح يصحح المؤسسة، أما التفكيك فقد يؤدي إلى محو الملف.

لذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يكون حذرًا. فاستبدال الأونروا بترتيب إنساني فضفاض لن يكون تغييرًا فنيًا أو إداريًا فقط، بل سيكون عملًا سياسيًا له تبعات خطيرة. وقد يضعف قضية اللاجئين في لحظة أصبحت فيها الحرب، والتهجير، والدمار، تخلق حالة أكبر من عدم اليقين للفلسطينيين.

إن قضية اللاجئين الفلسطينيين لا يمكن حلها بإلغاء الوكالة التي توثقها. بل يمكن حلها فقط من خلال تسوية عادلة تعترف بالتاريخ، وتحمي الحقوق، وتتعامل مع العودة، واسترداد الحقوق، والتعويض ضمن إطار قانوني جاد.

تبقى الأونروا مهمة ليس لأنها مؤسسة كاملة أو بلا أخطاء، بل لأن القضية التي تحملها ما زالت غير محلولة. وإلى أن تتحقق تسوية سياسية عادلة، فإن تفكيك الأونروا لن يغلق ملف اللاجئين، بل سيبدو كمحاولة لإزالة أحد أهم الشهود عليه.