الإبراهيمية السياسية بين خطاب التعايش ومخاوف الهيمنة
كتب: جودت مناع
يثير الحديث المتزايد
عن "الإبراهيمية" في السنوات الأخيرة، وإعادة طرحها من قبل الرئيس
ترامب، جدلاً واسعاً في العالم العربي والإسلامي، لا سيما عندما تنتقل الفكرة من
إطارها الأكاديمي والديني إلى فضاءات السياسة والمشاريع الإقليمية. وبينما يقدمها
مؤيدوها بوصفها جسراً للتفاهم بين أتباع الديانات السماوية الثلاث، ينظر إليها
منتقدون باعتبارها مشروعاً سياسياً يحمل أبعاداً تتجاوز الحوار الديني إلى إعادة
تشكيل المنطقة وفق موازين قوى جديدة.
في أصلها، تشير
الديانات الإبراهيمية إلى اليهودية والمسيحية والإسلام باعتبارها أدياناً ترتبط
بإرث النبي إبراهيم عليه السلام. غير أن الإشكالية لا تكمن في المصطلح ذاته، بل في
توظيفه السياسي والأمني، وما يرافقه من محاولات لإعادة تعريف الصراعات القائمة أو
تجاوز جذورها التاريخية والحقوقية تحت شعارات التعايش والسلام.
ففي الحالة الفلسطينية،
يصعب على كثيرين الفصل بين الخطاب الإبراهيمي وواقع الاحتلال والاستيطان. إذ يرى
منتقدو هذا التوجه أن الحديث عن التعايش الديني يفقد مصداقيته عندما يتزامن مع
استمرار مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وفرض القيود على حركة الفلسطينيين،
وتصاعد الانتهاكات التي توثقها المؤسسات الحقوقية الدولية.
ومن هذا المنطلق،
يتساءل أصحاب هذا الرأي: كيف يمكن بناء جسور الثقة بين الشعوب بينما تستمر سياسات
القوة والهيمنة على الأرض؟ وكيف يمكن إقناع الفلسطيني الذي يواجه الإغلاقات
اليومية في القدس واقتحام المقدسات الإسلامية والمسيحية والحواجز والبوابات
العسكرية في مداخل القرى والمدن (١١٠٠ حاجز وبوابة) حيث يسلب ما تيسر لدى
الفلسطينيين من مصروف يومي أثناء تفتيشهم من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين، بأن
المشكلة دينية في جوهرها، بينما يعيش واقعاً سياسياً وقانونياً وإنسانياً مرتبطاً
بالاحتلال وحرمانه من حقوقه الأساسية؟
ويستشهد أصحاب هذا
الرأي بجملة من الوقائع الميدانية التي يرون أنها تتناقض مع خطاب التعايش المعلن.
فكيف يمكن الانشغال بأفكار نظرية في وقت تتواصل فيه معاناة الفلسطينيين اليومية
تحت وطأة الاحتلال، والحواجز العسكرية، والإغلاقات التي تعيق الحركة والحياة
الاقتصادية والاجتماعية؟
إن جوهر الاعتراض لا
يتعلق بالحوار بين الأديان أو بالتعارف بين الشعوب، فهذه قيم إنسانية نبيلة
ومطلوبة، بل يتعلق بالخوف من تحويل الدين إلى أداة لتجاوز الحقوق الوطنية
والتاريخية للشعوب. فالتعايش الحقيقي لا يُبنى على تجاهل المظالم أو القفز فوق
الوقائع، وإنما على العدالة واحترام الحقوق ورفع الظلم وإنهاء أسباب الصراع.
ولم يُخفِ بعض الساسة
الإسرائيليين المتشددين رؤيتهم القائمة على نفي الحقوق الوطنية الفلسطينية أو
الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين. وقد أثارت تصريحات ومواقف صدرت عن شخصيات حكومية
إسرائيلية وأمريكية جدلاً وانتقادات دولية واسعة، باعتبارها تتعارض مع مبادئ
القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
لقد دفعت فلسطين ثمناً
باهظاً للصراعات والأفكار الأيديولوجية التي بررت الاستيلاء على الأرض وإقصاء
أصحابها وهو ما صرحت به وزيرة "المساواة الاجتماعية الإسرائيلية المتطرفة ماي
جولان.
أما سفير الولايات
المتحدة في إسرائيل هاكابي لم يخف قوله بأن من لا يدعم إسرائيل يلعنه الرب وأباح
احتلال ارض العرب من النيل إلى الفرات. بينما سخرت الحركة الصهيونية سرديتها
بالقول زوراً: " أرض بلا شعب.. لشعب بلا أرض" لإخفاء جرائم حرب ارتكبت
على مدى عقود خلت كان أخطرها النكبة الفلسطينية وما تلاها منذ السابع من أكتوبر.
ولذلك فإن أي مشروع
يُطرح للمنطقة، مهما كانت شعاراته براقة، سيظل موضع تساؤل ما لم يقترن باحترام
القانون الدولي وحقوق الإنسان وحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير وهو ما يتعين أن
تعطيه الدول العربية والإسلامية.
إن السلام الذي لا
يستند إلى العدالة يبقى هشاً، والحوار الذي يتجاهل معاناة الضحايا يفقد الكثير من
قيمته الأخلاقية. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي ليس في ابتكار عناوين جديدة للتعايش،
بل في بناء واقع يضمن الكرامة والحرية والمساواة لجميع الشعوب دون استثناء.
لقد بلغ المشهد في
فلسطين مستويات غير مسبوقة من العنف والتوتر والمعاناة الإنسانية. وبينما يواصل
الفلسطينيون إطلاق نداءات الاستغاثة طلباً للحماية والدعم، تبرز الحاجة إلى مواقف
أكثر مسؤولية وفاعلية ترتقي إلى حجم المأساة، بعيداً عن الاستعراضات الإعلامية أو
المواقف التي قد تزيد من شعور الناس بالعجز والإحباط في هذه المرحلة الحرجة.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























