أفق جديد: التيار الديمقراطي كفرصة لتجديد السياسة في الأردن
وائل منسي
في ظل الانسداد السياسي
الذي يشهده الأردن، وتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، وتراجع الحراكات الاجتماعية
وانكفاء الأحزاب السياسية التقليدية عن لعب أدوار فاعلة، تبرز فرصة تاريخية لولادة
تيار ديمقراطي جديد، يمتلك شرعية الانبثاق من الواقع وتماسه المباشر مع الفئات
الاجتماعية المطحونة، لا من إرث النخب ولا من ريع الولاءات.
هذه الفرصة لا تنبع فقط
من الفراغ القائم، بل من التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الأردني في تركيبته
السكانية والاجتماعية والاقتصادية، وخصوصاً في الأجيال الجديدة التي باتت أكثر
وعياً بحقوقها وأكثر رفضاً للخطابات الجوفاء، وأكثر ميلاً نحو العدالة الاجتماعية
والمساءلة والشفافية.
الفرصة الأولى التي ينبغي
على التيار التقاطها تتمثل في تنامي الشعور الجمعي بالحاجة إلى بديل وطني حقيقي،
لا يهادن في الحقوق ولا يركن إلى شعارات الإصلاح المنضبط، بل يشتبك مع جوهر
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن
والدولة على أساس المواطنة لا الزبائنية.
هذه الحاجة المتزايدة تعبّر عنها حالة الإحباط
واللامبالاة، ولكنها في العمق تعبّر أيضاً عن تعطش لفعل سياسي جديد قادر على ترجمة
الغضب الصامت إلى مشروع منظم وعقلاني وملهم.
الفرصة الثانية تكمن في
الفراغ الحزبي الذي خلفته الأحزاب التقليدية، سواء بسبب ارتهانها للسلطة أو بسبب
انفصالها عن القواعد الاجتماعية الفعلية.
الأحزاب التي رعتها
الدولة أو تلك التي رفعت شعارات أيديولوجية متكلسة لم تعد قادرة على التجديد،
وخرجت من وجدان الشارع.
أما قانون الأحزاب
الجديد، على الرغم من ملاحظاتنا عليه، ما زال قاصرا، عن تكوين أحزاب تبدأ من
القاعدة الاجتماعية بآلية الشبكية، لكن فتح باباً مواربا ولو رمزياً، نحو إعادة
الهيكلة، وهو ما يمكن استثماره لبناء تيار ديمقراطي بعيدا عن الأطر البيروقراطية.
يمثل التيار الجديد،
شرط أن ينبني من القاعدة لا من فوق، ويؤمن بالتعددية الداخلية ويعمل على صناعة
قياداته من العمل الميداني لا من تحالفات الغرف المغلقة.
الفرصة الثالثة تتعلق
بالتحولات الجيلية، فغالبية السكان اليوم هم من الشباب، وهذه الكتلة تشكل الطاقة
الكامنة لأي مشروع سياسي مستقبلي.
هؤلاء الشباب الذين
يعانون البطالة والتهميش والانفصال عن مراكز القرار، هم أيضاً الأكثر انفتاحاً على
العالم والأكثر تواصلاً مع مفاهيم العدالة والمساواة والبيئة والحق في المدينة
والحق في التعليم الجيد والصحة والعمل اللائق.
التيار الديمقراطي، إذا ما تواصل مع هذه الفئة
بلغة جديدة وعبر أدوات معاصرة، سيكون قادراً على بناء قاعدة جماهيرية واسعة ومؤمنة
برسالته.
الفرصة الرابعة تتجلى
في تصاعد الحس النسوي والمطالب في الفضاء العام الأردني، وخاصة بين النساء الشابات
والقيادات المحلية في المحافظات.
هذه الصحوة النسوية لا ترتبط فقط بقضايا المرأة،
بل بعمق مفهوم العدالة والمشاركة والمساواة، وهي حليف موضوعي لأي تيار ديمقراطي
يريد أن يعيد إنتاج السياسة على أسس تقدمية وحداثية.
الفرصة الخامسة ترتبط
بالتطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي كسرت الرواية الرسمية،
ومكّنت آلاف الناشطين من التعبير عن آرائهم، وتوثيق الانتهاكات، ونقد السياسات
العامة، رغم محاولات التضييق، فإن هذه الفضاءات لا تزال مفتوحة أمام من يمتلك
المصداقية والقدرة على التواصل الفعال، ما يمنح التيار الديمقراطي الجديد منصة واسعة
لنشر أفكاره وتنظيم أنصاره والتأثير في الرأي العام، خاصة إذا ما تمكن من توظيف
خطاب سياسي بسيط، واضح، ومرتبط بهموم الناس.
الفرصة السادسة هي
الأزمة نفسها. فكل أزمة تفتح مجالاً للتفكير خارج الصندوق. والأردنيون اليوم أمام
لحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل الاقتصاد، تعاد فيها صياغة السياسات الاجتماعية،
وتُطرح فيها أسئلة كبرى حول مستقبل المشاركة والهوية والمجال العام. والتيار الذي
يمتلك رؤية متماسكة للعدالة الاجتماعية والاقتصادية، ويقدم حلولاً واقعية لإصلاح
منظومة التعليم والصحة والنقل والعمل، سيفرض نفسه كفاعل جديد في الساحة السياسية،
خاصة في ظل تراجع السرديات القومية والدينية والليبرالية لصالح سردية تقوم على
الكرامة الإنسانية والعدالة والتمكين الشعبي.
في ضوء ما سبق، فإن
التيار الديمقراطي لا يملك ترف الانتظار ولا رفاهية التنظير المعزول.
عليه أن يتحرك الآن، أن
يشكل بنيته من الأسفل، أن ينخرط في الحملات المطلبية، أن يتحالف مع النقابيين
والمهنيين والمزارعين وأمهات الطلبة وسائقي الباصات وموظفي البلديات وباقي
المجموعات في البوادي والقرى والمناطق المهمشة، وأن يدخل في تفاصيل اليومي
والمعاش، دون أن يتخلى عن الرؤية الكبرى.
فبقدر ما يتجذر في المجتمع، ويتحرر من وصايات
الماضي، ويعيد تعريف العمل السياسي كفعل شعبي تغييري، بقدر ما يستطيع أن يصبح
القوة القادمة القادرة على كسر الجمود، وصياغة ميثاق اجتماعي جديد يليق بالأردنيين.
























