جودت مناع يفكك خطة "إتحاد الحوات" - 2
لماذا نجحت المزارع الاستيطانية الإرهابية؟ قراءة في الثغرات قبل البحث عن الحلول
كتب: جودت مناع
غالباً ما يجري تفسير
توسع المزارع الاستيطانية باعتباره نتيجة للدعم السياسي والأمني الذي تحظى به من
حكومة الاحتلال. ورغم أهمية هذا العامل، فإن ذلك لا يفسر وحده قدرتها على تحقيق
تأثير واسع خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
أحد أسباب نجاح هذا
النموذج أنه استهدف مناطق تعاني أصلاً من الهشاشة التنموية بسبب القيود التي
تفرضها المستعمرة الإسرائيلية. فالكثير من الأراضي الريفية الفلسطينية في الضفة
الفلسطينية تواجه تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف الإنتاج
الزراعي وتراجع الجدوى الاقتصادية للرعي والزراعة التقليدية. ومع مرور الوقت أصبحت
بعض المناطق أقل استخداماً من أصحابها مقارنة بما كانت عليه في العقود السابقة
نظرا لمنع أي تطوير لمناطق "سي" بأوام عسكرية إسرائيلية.
كما أن التعامل
الفلسطيني مع الأرض ظل في كثير من الأحيان دفاعياً وردة فعل على الأحداث، بينما اعتمدت
المزارع الاستيطانية على منهج استباقي يقوم على التواجد المبكر والمستمر.
فالمعادلة في المناطق المفتوحة لا تعتمد فقط على إثبات الملكية، بل أيضاً على
إثبات الاستخدام والحضور الدائم وهو ما تفعله جماعة "الحوات" الإرهابية.
ومن العوامل الأخرى
غياب الأطر التنسيقية القادرة على التعامل مع الأرض باعتبارها وحدة جغرافية
متكاملة تتجاوز حدود كل قرية على حدة. فالتحديات التي تواجهها قرية منفردة قد تكون
أكبر من قدرتها على المعالجة، بينما يمكن التعامل معها بصورة مختلفة إذا جرى
التعاون بين عدد من التجمعات المتجاورة.
لذلك فإن النقاش
الفلسطيني المطلوب اليوم لا ينبغي أن يقتصر على توصيف المخاطر، ولا اعتراض
المبادرات الشعبية وفرض سياسة الحياد على المجالس القروية والبلدية بل على مراجعة
أدوات العمل نفسها. فالأرض لا تحميها الشعارات وحدها، كما أن امتلاك الوثائق
القانونية لا يغني عن وجود نشاط اقتصادي واجتماعي مستمر فيها.
إن السؤال الحقيقي ليس
لماذا نجحت المزارع الاستيطانية الإرهابية فقط، بل لماذا لم تنجح حتى الآن مبادرات
فلسطينية مماثلة في تثبيت الوجود الزراعي والرعوي المنظم على نطاق أوسع. فالإجابة
عن هذا السؤال قد تكون المدخل الأهم لصياغة سياسات أكثر فاعلية في المستقبل تنآى
بنفسها عن قيود تفرضها المستعمرة الإسرائيلية.
الضفة الفلسطينية بما
فيها القدس المحتلة باعتبارها فكرة تمتلك إمكانات مهمة إذا ما أُعيد تفعيلها
وتطوير برامجها بصورة عملية.
فلو جرى تفعيل مثل هذه
الأطر في وقت مبكر، لكان بالإمكان إطلاق مبادرات استباقية تشمل الرعي المنظم،
والزراعة التعاونية، وتطوير المسارات البيئية، وإنشاء قواعد بيانات للأراضي، وربط
التنمية المحلية بحماية الموارد الطبيعية. وهي إجراءات لا تقوم على المواجهة، بل
على تعزيز الحضور الفلسطيني المشروع فوق أرضه بوسائل مدنية سلمية.
إن المستقبل قد لا يكون
لمن يرفع الشعارات الأكثر صخباً، بل لمن ينجح في بناء شبكات إنتاج وتنمية واستقرار
بشري قادرة على الصمود لعقود طويلة. ولهذا فإن الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق
المبادرة أصبح ضرورة وطنية وتنموية في آن واحد وإن كانت بمبادرة مجلس بلدي أو قروي
واحد يمكنه تطوير شبكة مجالس مناطقية واسعة.
فالأرض لا تحتاج فقط
إلى من يدافع عنها عندما تتعرض للخطر، بل إلى من يخطط لاستثمارها ورعايتها
وإعمارها دون إذعان لوحهة نظر أمنية فردية قبل أن يصبح الخطر واقعاً قائماً.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























