الشرق الأوسط 2050: صراع القوى العظمى والمشاريع الإقليمية ومستقبل الدور العربي
.
بقلم عارف الهدمي
منذ فجر التاريخ لم يكن
الشرق الأوسط مجرد مساحة جغرافية تقع بين القارات الثلاث بل كان القلب الذي تتقاطع
عنده طرق التجارة والهجرات والحضارات والجيوش والأديان
فمن يسيطر على هذه المنطقة يمتلك القدرة على
التأثير في حركة العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا
ولهذا السبب تعاقبت عليها الإمبراطوريات من
الفراعنة والفرس والإغريق والرومان إلى العثمانيين ثم القوى الاستعمارية الأوروبية
وصولا إلى الولايات المتحدة والقوى الصاعدة في القرن الحادي والعشرين
ومع بداية القرن
العشرين دخلت المنطقة مرحلة جديدة عندما بدأت القوى الغربية بإعادة رسم خريطتها
السياسية وفق مصالحها الاستراتيجية فبعد انهيار الدولة العثمانية لم يكن الهدف
مجرد ملء فراغ سياسي بل إنشاء نظام إقليمي جديد يمنع ظهور قوة عربية موحدة قادرة
على التحكم بثروات المنطقة وموقعها الاستراتيجي فجاءت اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم
الجغرافيا العربية إلى كيانات متعددة وجاء وعد بلفور ليضع الأساس السياسي لإقامة
وطن قومي لليهود في فلسطين ثم جاءت مرحلة الانتداب لترسيخ هذا الواقع الجديد
لقد أدركت القوى
الاستعمارية أن المنطقة العربية تمتلك من المقومات البشرية والاقتصادية والجغرافية
ما يؤهلها لأن تصبح قوة عالمية كبرى إذا ما توحدت أو تكاملت
ولذلك اتجهت السياسات الدولية نحو إدارة المنطقة
عبر مبدأ التوازنات والصراعات ومنع تشكل مركز عربي قادر على فرض إرادته وفي هذا
السياق نشأت إسرائيل كأحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة حيث جرى تقديم
المشروع الصهيوني باعتباره عودة تاريخية ودينية بينما اكتسب في الواقع أبعادا
استراتيجية تتعلق بحماية المصالح الغربية وإيجاد حليف دائم في قلب الشرق الأوسط
ومع انتهاء الحرب
العالمية الثانية وانتقال مركز القيادة العالمية إلى الولايات المتحدة أصبح الشرق
الأوسط أحد أهم مسارح الصراع الدولي
فواشنطن نظرت إلى المنطقة باعتبارها مفتاح
الطاقة العالمي ومركزا حيويا للأمن الدولي وأساسا لاستمرار نفوذها العالمي ولذلك
قامت ببناء شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية وأصبحت
إسرائيل أحد أعمدة هذه المنظومة وفي المقابل حاول الاتحاد السوفيتي اختراق المنطقة
عبر دعم حركات التحرر الوطني وبعض الأنظمة العربية قبل أن ينتهي هذا التنافس
بانهياره في بداية التسعينيات
غير أن نهاية الحرب
الباردة لم تعن نهاية الصراع بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدا فقد ظهرت قوى دولية
صاعدة مثل الصين التي تنظر إلى المنطقة باعتبارها شريانا رئيسيا لمشروع الحزام
والطريق ومصدرا أساسيا للطاقة والأسواق كما عادت روسيا إلى الساحة الدولية محاولة
استعادة نفوذها عبر سوريا والبحر المتوسط وعلاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية
وفي موازاة التنافس الدولي
برزت ثلاثة مشاريع إقليمية كبرى تسعى إلى لعب دور مؤثر في مستقبل المنطقة وهي
المشروع الإيراني والمشروع التركي والمشروع الإسرائيلي
وهذه المشاريع تختلف في الأدوات والخلفيات لكنها
تتشابه في امتلاك رؤية استراتيجية طويلة المدى
فالمشروع الإيراني يقوم
على فكرة أن أمن إيران لا يبدأ من حدودها بل من خارجها ولذلك عملت طهران منذ
الثورة الإسلامية عام 1979 على بناء شبكة نفوذ إقليمية واسعة تتيح لها التأثير في
موازين القوى الإقليمية وتسعى إيران إلى تثبيت نفسها باعتبارها القوة المركزية في
الخليج والمشرق العربي وإلى منع أي محاولة لعزلها أو تهديدها كما تعمل على امتلاك
أوراق قوة في الساحات المحيطة بها تجعل أي مواجهة معها مكلفة للغاية وترى القيادة
الإيرانية أن امتلاك التكنولوجيا النووية والقدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي
يشكل ضمانة استراتيجية لبقاء النظام ودور الدولة غير أن هذا المشروع يواجه تحديات
كبيرة تتمثل في العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية والتحديات الداخلية المرتبطة
بالاقتصاد والتنمية
أما المشروع التركي
فيستند إلى مزيج من التاريخ والجغرافيا والاقتصاد فتركيا تنظر إلى نفسها باعتبارها
وريثة لدور إقليمي كبير وتسعى إلى استثمار موقعها الفريد بين آسيا وأوروبا والشرق
الأوسط وتهدف إلى التحول إلى مركز عالمي للطاقة والتجارة والنقل وإلى توسيع نفوذها
السياسي والاقتصادي في محيطها الإقليمي كما تعتبر أن منع قيام كيان كردي مستقل على
حدودها يمثل أولوية أمنية عليا وتستخدم تركيا الاقتصاد والصناعة والقوة العسكرية
المحدودة والنفوذ الثقافي والدبلوماسية النشطة لتحقيق أهدافها وقد نجحت خلال
العقود الأخيرة في ترسيخ حضورها كقوة إقليمية مهمة رغم ما تواجهه من ضغوط داخلية
وتحديات مرتبطة بالتوازنات الدولية والإقليمية
أما المشروع الإسرائيلي
فهو الأكثر وضوحا من حيث الأهداف بعيدة المدى فإسرائيل قامت منذ تأسيسها على عقيدة
التفوق النوعي المستمر وعلى منع ظهور أي قوة قادرة على تهديدها عسكريا أو
استراتيجيا ولذلك استثمرت بكثافة في التكنولوجيا والبحث العلمي والصناعات العسكرية
والاستخبارات والذكاء الاصطناعي وتسعى إلى دمج نفسها اقتصاديا وسياسيا في المنطقة
مع الحفاظ على تفوقها العسكري المطلق كما تهدف إلى توسيع شبكة علاقاتها وتحالفاتها
الإقليمية والدولية وتحويل تفوقها العلمي إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد غير
أن المشروع الإسرائيلي ما زال يواجه تحديات مرتبطة بالقضية الفلسطينية وبالتحولات
الديموغرافية وباستمرار حالة الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة
وفي مقابل هذه المشاريع
المنظمة تبدو الحالة العربية مختلفة فالعالم العربي يمتلك أكبر كتلة سكانية في
المنطقة وأضخم الاحتياطيات الطاقية وأهم الممرات البحرية وموقعا جغرافيا استثنائيا
وموارد مالية هائلة. لكنه يفتقر إلى مشروع استراتيجي موحد قادر على تحويل هذه
المقومات إلى قوة مؤثرة فالتجزئة السياسية وضعف التكامل الاقتصادي وتعدد الأولويات
الوطنية والصراعات الداخلية أدت إلى تراجع القدرة العربية على التأثير في مسار الأحداث
الإقليمية والدولية
ومع اقتراب عام 2050
سوف تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التنافس ترتبط بالذكاء الاصطناعي والأمن
السيبراني والمياه والطاقة المتجددة والتغير المناخي والثورة التكنولوجية وستتراجع
أهمية بعض أدوات القوة التقليدية لصالح أدوات جديدة تقوم على المعرفة والتكنولوجيا
والاقتصاد والابتكار وعندها لن يكون السؤال من يمتلك النفط فقط بل من يمتلك القدرة
على إنتاج المعرفة والسيطرة على التكنولوجيا وإدارة الموارد البشرية
ومن هنا يمكن تصور
ثلاثة مسارات لمستقبل الشرق الأوسط
الأول استمرار حالة الانقسام والتشظي بما يبقي
المنطقة ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين
والثاني قيام توازن متعدد الأقطاب تتقاسم فيه
القوى الدولية والإقليمية النفوذ دون قدرة أي طرف على الحسم الكامل
أما الثالث فيتمثل في بروز مشروع عربي جديد يقوم
على التكامل الاقتصادي والعلمي والأمني ويعيد للعرب دورهم التاريخي باعتبارهم أحد
أهم مراكز الثقل في العالم
إن الصراع الحقيقي في
الشرق الأوسط ليس صراعا على الحدود فقط بل صراع على المستقبل وعلى هوية المنطقة
وموقعها في النظام الدولي القادم فالدول التي تمتلك رؤية طويلة المدى ومؤسسات قوية
وقدرة على استثمار العلم والتكنولوجيا هي التي ستحدد شكل المنطقة في العقود
القادمة
أما الدول التي تبقى أسيرة الأزمات اليومية
والانقسامات الداخلية فستظل موضوعا للسياسات الدولية لا شريكا في صناعتها
ويبقى السؤال الأكبر
حتى عام 2050 ليس ماذا تريد القوى الكبرى
وماذا تريد إيران وتركيا وإسرائيل فحسب بل ماذا يريد العرب لأنفسهم وكيف يمكن
تحويل عناصر القوة العربية الهائلة إلى مشروع حضاري واستراتيجي قادر على استعادة
المبادرة وصناعة المستقبل
























