كلُّ الشعب يعمل بالسياسة… إلا السياسيون يعملون بالتجارة!
النائب د علي الطراونة
في زمن السوشيال ميديا،
لم يعد الانتماء إلى حزبٍ أو حملُ صفةٍ رسمية شرطًا للحديث في السياسة. يكفي أن
تمتلك هاتفًا ذكيًا، وحسابًا على إحدى المنصات، حتى تتحول – بين ليلةٍ وضحاها –
إلى محللٍ سياسي، وخبيرٍ اقتصادي، واستراتيجيٍ عسكري، ومفاوضٍ دولي… وكل ذلك قبل
احتساء فنجان القهوة!
العجيب أن الشعب أصبح
يناقش خرائط العالم، وأسعار النفط، وأسواق المال، والعلاقات الدولية، وكأنه يجلس
في غرفة عملياتٍ عالمية. الجميع لديه رأي، والجميع يمتلك "المعلومة الأكيدة”،
والجميع يملك تفسيرًا لا يقبل النقاش.
لكن المفارقة الساخرة
تبدأ من هنا…
كل الشعب يعمل
بالسياسة… إلا السياسيون، وكأنهم يعملون بالتجارة!
فبدل أن يكون السياسي
منشغلًا بإيجاد الحلول، أصبح كثيرٌ من تصريحاته أقرب إلى حملاتٍ تسويقية؛ كلماتٌ
براقة، ووعودٌ مغلفة، وشعاراتٌ تلمع أكثر مما تُنير. وإذا تحدث، خرجت تصريحاته في
أحيانٍ كثيرة مستفزةً للعقل قبل أن تستفز المشاعر، حتى يشعر المواطن أن من يعيش
الواقع شخص، ومن يتحدث عنه شخصٌ آخر يعيش على كوكبٍ مختلف.
المواطن يناقش ارتفاع
الأسعار، والسياسي يحدثه عن "الإنجازات التاريخية”. المواطن يسأل عن فرص العمل،
والسياسي يجيبه بأرقامٍ لا يراها أحد إلا في المؤتمرات الصحفية. المواطن يريد
حلولًا، بينما يحصل على خطابات.
ولأن الفراغ لا يبقى
فارغًا، امتلأت منصات التواصل بآلاف المحللين. فمن غياب الخطاب الواقعي، وُلدت
التحليلات العشوائية. وحين يغيب التفسير المقنع، يظهر ألف تفسير، وحين تختفي
المعلومة الواضحة، تنتعش الشائعات.
ليست المشكلة في أن
الشعب يناقش السياسة؛ فهذا حقٌ طبيعي، بل هو دليل على وعيٍ واهتمام بالشأن العام.
المشكلة أن يصبح المواطن مضطرًا لأن يبحث بنفسه عن إجاباتٍ كان من المفترض أن
تأتيه من أصحاب القرار، وأن تتحول السياسة إلى ساحة اجتهادات شعبية، بينما يغيب
الخطاب السياسي الرصين القادر على الإقناع.
السياسة ليست تجارةً
تُسوَّق فيها الكلمات، وليست منصةً للإعلانات الموسمية. السياسة مسؤولية، وصدق،
وشفافية، والناس لم تعد تبحث عن الخطب الطويلة، بل عن النتائج القصيرة والواضحة.
وفي النهاية…
لا ألوم المواطن إذا
أصبح محللًا سياسيًا أو اقتصاديًا؛ فالفراغ يُجبر الناس على ملئه. لكنني ألوم كل
مسؤولٍ يترك الواقع يتحدث بلغةٍ، بينما يتحدث هو بلغةٍ أخرى.
ربما آن الأوان أن يعود
كلٌّ إلى مكانه الطبيعي…
أن يترك الشعب مهمة
المبالغة في التحليل، وأن يعود السياسي إلى مهمته الأصلية: إدارة شؤون الناس، لا
إدارة العناوين… وخدمة المواطن، لا تسويق التصريحات.
لأن الشعوب قد تخطئ في
التحليل، لكنها نادرًا ما تخطئ في الإحساس بالواقع.

























