حين يُسخَّر اسم الله لتبرير الظلم
كتب: جودت مناع
أثار تصريح سفير
الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، جدلًا واسعًا عندما قدّم تصورًا
دينيًا يوحي بأن الله وضع يده على جزء محدد من الأرض لإرضاء جماعة من البشر
واستمالتها إلى الإيمان به. ومثل هذا الطرح لا يسيء إلى حقائق التاريخ والسياسة
فحسب، بل يمس جوهر العقيدة الإيمانية القائمة على كمال الله وقدرته المطلقة
وعدالته بين خلقه.
فالله، في جميع
الرسالات السماوية، هو خالق الكون كله، مالك السموات والأرض وما بينهما، لا يحتاج
إلى أرضٍ بعينها لإثبات ألوهيته، ولا إلى امتيازٍ يمنحه لقوم دون غيرهم ليؤكد
قدرته. إن الإله القادر على كل شيء لا يحتاج إلى وسائل لإقناع خلقه بوجوده أو
حكمته، لأن آياته مبثوثة في الكون كله، ولأن الإيمان الحقيقي يقوم على الاختيار
الحر لا على الامتيازات الممنوحة لجماعة بعينها.
كما أن جوهر الرسالات
السماوية كان دائمًا الدعوة إلى العدل والرحمة والمساواة بين البشر، والتحذير من
الظلم والعدوان وسلب حقوق الآخرين. ومن هنا فإن تحويل الدين إلى أداة لتبرير
الاحتلال أو مصادرة الأرض أو إنكار حقوق شعب كامل يتناقض مع المقاصد الأخلاقية
التي جاءت بها الكتب السماوية.
إن الخطر في مثل هذه
التصريحات لا يكمن في بعدها اللاهوتي فحسب، بل في استخدامها لتوفير غطاء أخلاقي
وسياسي لممارسات تتعارض مع مبادئ العدالة الإنسانية. فالله، بحسب الإيمان الديني،
لا يبارك الظلم ولا يمنح حصانة أخلاقية لأحد، وإنما يحاسب الناس على أعمالهم
ويأمرهم بإقامة الحق وصون كرامة الإنسان.
ولهذا فإن استدعاء اسم
الله لتبرير القوة أو الاحتلال لا يرفع من شرعية هذه الأفعال، بل يكشف محاولة
لتوظيف المقدس في خدمة مشروع سياسي. أما العدالة الإلهية فتبقى أوسع من الحدود
والجغرافيا، وأسمى من أن تُختزل في ادعاءات تمنح شعبًا حقوقًا وتنكرها على شعب آخر.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























