النخب الأردنية وعصا سليمان
بلال العقايلة
من خلال عملي السابق
كمحرر وصحفي، كان أكثر ما يستوقفني تلك الأخبار والتقارير المتعلقة بالتدريب
والتأهيل، والتي تتحدث عن تمكين الشباب ومنحهم الفرصة للانخراط في مجتمعهم، بل
وتهيئتهم لتولي مواقع قيادية في مؤسسات الدولة المختلفة.
ولا أخفي أنني كنت أعيش
بين حالة من الحزن وأخرى من الغيظ حين أنظر إلى الواقع فأجده منفصلا بدرجة كبيرة
عن تلك الأماني والمعطيات، فيما يزداد الأمر إرباكا حين نكتشف أن كثيرا من هذه
البرامج لا تزال مستوردة ومدعومة من جهات ومنظمات خارجية، فتبدو أحيانا وكأنها
تنشغل بتتبع تنفيذ أهدافها وإجنداتها أكثر من انشغالها بإحداث التحول الحقيقي
المطلوب في بنية المجتمع ومؤسسات الدولة.
ولأن الشيء بالشيء
يذكر، استوقفتني مؤخرا تصريحات لرئيس وزراء سابق، يعد من أصحاب الخبرة في الإدارة
وقراءة حالة المجتمع، حين تحدث عن قضية التمكين والإحلال القيادي للشباب، معتبرا أن
وصول الشباب إلى مواقع متقدمة لا ينبغي أن يكون مجرد إحلال شكلي، بل يجب أن يسبقه
انخراط حقيقي في العمل العام من خلال الأندية والأحزاب والجمعيات وغيرها.
وقد يكون دولته محقا في
ضرورة امتلاك الشاب تجربة عامة تؤهله للقيادة لكن المشكلة أن هذا الطرح لم يلامس
الوجع الحقيقي لشريحة واسعة من شبابنا أولئك الذين يمتلكون الكفاءة والمهارات
والطموح، لكنهم وجدوا أنفسهم على هامش المشهد بفعل عوامل كثيرة، من الواسطة
وحسابات الثقة والموازنات في مجلس النواب، والنفوذ والمحاصصة العشائرية والجهوية
والترضيات، ثم نطالبهم بعد ذلك بأن يكونوا فاعلين في المجال العام حتى يتم
اختيارهم.
فكيف نطلب من جيل جديد
أن يثبت حضوره، بينما كثير من أبواب التأثير ما زالت مغلقة أمامه؟ وكيف نتحدث عن
تجديد القيادات بينما تستمر آليات الاختيار ذاتها التي أعادت إنتاج الوجوه نفسها
لسنوات طويلة.
وهنا تكمن المعضلة
الحقيقية لأن القضية ليست فقط في غياب الشباب المؤهلين، بل في استمرار الرهان على
نخب ووسطاء لم يعد جميعهم يملكون التأثير الاجتماعي ذاته الذي كان لهم في مراحل
سابقة. فالمجتمع تغير ومصادر الثقة تغيرت والأجيال الجديدة باتت تنظر إلى المشهد
بعين مختلفة.
ولعل من أكثر الأمثلة
التي تكشف هذا الإشكال أن يتقدم أحدهم لإشغال موقع قيادي في مؤسسة عامة، فلا يوفق
في التقييم و المقابلة ثم لا تمضي إلا أشهرا حتى يعاد تقديمه في موقع أعلى بكثير،
ليضرب بذلك كل معايير الاختيار والعدالة والجدارة.
إن المشكلة لا تكمن في
وجود النخب، فكل مجتمع يحتاج إلى نخب وقيادات، وإنما في توقف بعض النخب عن تجديد
شرعيتها الاجتماعية وفي استمرار التعامل معها بعين الذاكرة والصورة القديمة لا
بعين الواقع وما طرأ من مستجدات.
فالنفوذ الرسمي أو
التاريخي لا يعني بالضرورة استمرار التأثير الاجتماعي إذ قد يبقى الشخص أو
المجموعة حاضرين في المؤسسات أو وسائل الإعلام أو المناسبات الرسمية، بينما يتراجع
تأثيرهم الحقيقي على الرأي العام وعلى الأجيال الجديدة.
وهنا تأتي رمزية
(عصا سليمان). فالقصة في بعدها الرمزي، تعبر عن حالة يبدو فيها الشيء قائما
ومتماسكا بينما تكون عوامل قوته قد بدأت بالتآكل من الداخل، ولا يُكتشف ذلك إلا
بعد فوات الأوان.
وتكمن الخطورة حين
تُمنح بعض الشخصيات مكانة ثابتة باعتبارها صمام أمان للمجتمع، من دون مراجعة
حضورها وتأثيرها الحقيقي ودرجة قبولها الشعبي. ومع الزمن قد تتشكل حولها هالة من
القداسة الوهمية، فيصبح التعامل معها قائما على صورة الماضي أكثر من واقع الحاضر.
وعندها قد تكتشف الدولة
متأخرة أن بعض الرموز لم تعد تمثل سوى عصا سليمان قائمة في الصورة لكنها فقدت منذ
زمن قدرتها الحقيقية على الإسناد والتأثير بل والتواصل المجتمعي وإقناع الناس.
إن المجتمعات لا تتعثر
فقط بسبب مشكلاتها بل أيضا بسبب التأخر في إدراك طبيعة التحولات التي تمر بها،
فليس الخطر في الواقع وحده بل في الإصرار على قراءة الواقع بأدوات وصور ذهنية لم
تعد صالحة لفهمه في الوقت الحاضر.
























