الصوت والصدى (5): الإعلام و الاقتصاد السياسي للوعي
د حيدر البستنجي
يعتقد الكثيرون أن
السجالات السياسية والتحالفات الدولية هي شأن نخبوي يدور في القصور الرئاسية
وأروقة البرلمانات بعيداً عن واقعهم. لكن الحقيقة الراسخة في علم الاقتصاد السياسي (Political Economy) هي أن كل قرار يُتخذ خلف الأبواب المغلقة—سواء
كان مرسوماً محلياً أو تحالفاً دولياً—يرتد فوراً كصدى مباشر على أسعار الأسواق،
وقيمة العملة، والقدرة الشرائية للناس، وإن المحك الحقيقي الذي تتجلى فيه كل تلك
الصراعات السياسية سينعكس بالتأكيد على لقمة العيش وجيب المواطن. وسنناقش ذلك من
خلال المحاور التالية :
أولاً: جدلية السياسة
والمال حيث من يملك "الصوت" يوجه "الصدى"
القرارات السياسية هي
الموجه الأول والأساسي للموارد الاقتصادية. عندما تجتمع السلطة في أي عاصمة عربية
أو عالمية لإقرار موازنة، أو فرض ضرائب، أو الاقتراض من المؤسسات الدولية، فإنها
تطلق "صوتاً" تشريعياً، يظهر "صداه" سريعاً على شكل غلاء
معيشي أو تضخم يمس الفئات الأكثر هشاشة. فلسفياً، يمكننا فهم هذا التشابك عبر
مفهوم "البيوسياسة"
(Biopolitics) للمفكر الفرنسي ميشيل فوكو،
حيث لم تعد السياسة مجرد إدارة للقوانين، بل أصبحت أداة للتحكم في تفاصيل الحياة
اليومية والبيولوجية للبشر، عبر توجيه الاقتصاد، وسياسات الدعم، وفرص العمل.
في النهاية ادارة
الموارد الاقتصادية في معظم النظم السياسية ليست بريئة، ولا عادلة بالمطلق
بل وحتى تحابي الفئات المهيمنة ماليا او سياسيا و تُستخدم كأداة سياسية لضبط
حركة المجتمع وإبقائه في حالة ركض دائم خلف تأمين الاحتياجات الأساسية، مما يقلل
من قدرته على تشكيل وعي نقدي معارض.
ثانياً: العولمة
المتشابكة
نعيش اليوم في ظل نظام
عالمي يتميز بالاعتماد المتبادل والتشابك المعقد. في عالم اليوم، لم يعد الاقتصاد
محلياً خالصاً، بل أصبح انعكاساً للصراعات الجيوسياسية الكبرى وهو ما يرتبط بشكل
مباشر بثلاث قضايا جوهرية تعولم الصدى إلى أبعد حد :
١- عولمة سلاسل الإمداد : إن نشوب نزاع سياسي أو
عسكري في ممرات مائية حيوية أو قارات أخرى يطلق "صوتاً"
جيوسياسياً مرعباً، يرتد "صداه" فوراً بارتفاع أسعار الوقود والقمح في
بقالتك المجاورة.
٢- عولمة التبعية النقدية: قرارات رفع أسعار
الفائدة في البنوك المركزية العالمية تؤدي مباشرة إلى هروب رؤوس الأموال من الدول
النامية وتراجع قيمة العملات المحلية، مما يعني تآكل المدخرات الشخصية للمواطنين.
٣- هيمنة اقتصاد الريع في الدول الوظيفية : يتجلى
هذا بوضوح في "الدول الريعية" أو تلك المعتمدة على المساعدات والقروض؛
حيث ترهن السياسة العامة مواقفها الدولية لتأمين تدفقات مالية، مما يجعل جيب
المواطن رهينة لتقلبات المحاور السياسية الإقليمية.
ثالثاً: السردية
التبريرية.الفساد تحت عباءة الأزمات
كما رأينا في
المقال السابق كان نموذج نكسة 1967 وتوظيف شعارات "لا صوت يعلو فوق صوت
المعركة"، اداة اقتصادية ايضا حيث توجه الموارد في العلن لخدمة المعركة
الافتراضية ولكنها في الباطن تذهب إلى جيوب السادة على شكل عمولات ونفقات غير
ضرورية والمشكلة ان النخب السياسية لا زالت إلى اليوم تستخدم الأزمات
السياسية الدولية كـ "شماعة جاهزة" لتبرير الفشل الاقتصادي الداخلي. إن
الوعي النقدي هنا يفرض على المتلقي التمييز بين الأثر الاقتصادي الحتمي للأزمات
العالمية، وبين الأزمات الناتجة بالأساس عن الفساد الهيكلي، وسوء الإدارة،
والمحسوبية، وغياب الشفافية.
عندما يُطالب المواطن
بتحمل التقشف والفقر باسم"الوطنية" أو "مواجهة التحديات الخارجية"،
دون أن تصاحب ذلك محاسبة حقيقية أو إصلاحات هيكلية تطال كبار المتنفذين، فإن
الخطاب السياسي هنا يمارس ما أسماه بيير بورديو بـ "العنف الرمزي"؛ حيث
يتم شرعنة الحرمان الاقتصادي وتحويله إلى واجب وطني لتمرير استمرار مصالح الطبقة
المهيمنة وديمومة تدفق الأموال إلى جيوبها باسم الوطنية ودون رقابة حقيقة من عموم
الشعب وهنا يتجلى بوضوح التناقض الصارخ بين الصوت الحقيقي للناس والصدى الذي يملأ
الفراغ الإعلامي ويهيمن عليه.
ودمتم بخير
























