شريط الأخبار
هل يتحول المسنون إلى "غريغور سامسا" جديد في مجتمعاتنا؟ عراقجي: طهران وحدها صاحبة القرار في "هرمز".. وانسحاب إسرائيل من لبنان شرطٌ للتفاهمات ضوضاء الشوارع: الزامور ومضخمات الصوت.. إرهاب سمعي بغطاء قانوني غير مفعل فصل مبرمج للتيار الكهربائي عن مناطق في دير علا غدا الدكتور خالد ذيب اللحام رئيساً لمجلس ادارة الاتحاد العربي للنقل البري العمل: لا تغيير على الإعفاءات الواردة في قرار فترة قوننة وتوفيق أوضاع العمالة غير الأردنية المخالفة موظفو كابيتال بنك يشاركون في مبادرة 'سنابل الأثر' دعماً للأمن الغذائي والتمكين المجتمعي تصعيد مستمر على ضفاف الخليج: ترامب يهدد بمحو إيران والحرس الثوري يتوعده بـ "أيام من الجحيم" جيش الاحتلال يقتل 3 سوريين جنوب سوريا الامن يقبض على ثلاثة متهمين بسلب شخص في عمان البلقاء التطبيقية تمدد التسجيل لامتحان الشامل حتى الخميس المقبل أورنج الأردن تشارك وتدعم الشركات الناشئة في مؤتمر VivaTech العالمي البنك الأردني الكويتي يوقع اتفاقية شراكة استراتيجية مع شركة Business Consult لتعزيز الخدمات المصرفية الرقمية الآمنة ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 84 دينارا للغرام حملة المياه تضبط اعتداءات كبيرة على الديسي وجنوب عمان لبيع مياه مخالفة جيب المواطن كمرآة للسياسات العامة العمل: لا تغيير على إعفاءات قوننة العمالة ومهلة حتى نهاية أيلول لتجنب التسفير الأردن يدين الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين والكويت تجارة عمّان ونقابة أصحاب مكاتب تأجير السيارات تبحثان تحديات القطاع الملك يشيد بالنشامى والجماهير الأردنية الوفية

هل يتحول المسنون إلى "غريغور سامسا" جديد في مجتمعاتنا؟

هل يتحول المسنون إلى غريغور سامسا جديد في مجتمعاتنا؟


كتب: جودت مناع

 

لم تكن رواية "المسخ" لفرانز كافكا قصة خيالية عن رجل استيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة عملاقة، بل كانت في جوهرها مرآة قاسية تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية عندما يفقد الإنسان قدرته على العطاء والإنتاج. فالسؤال الحقيقي الذي تطرحه الرواية ليس: ماذا يحدث لو تحول إنسان إلى حشرة؟ بل: ماذا يحدث عندما يتوقف الإنسان عن أداء الدور الذي ينتظره منه الآخرون؟

 

كان غريغور سامسا قبل تحوله المعيل الرئيسي لأسرته، ومصدر أمنها الاقتصادي واستقرارها. وحين فقد قدرته على العمل، فقد تدريجيًا مكانته في نفوس أقرب الناس إليه، لا لأنه فقد إنسانيته، بل لأنه فقد فائدته. وهنا تكمن المأساة التي أراد كافكا فضحها: اختزال قيمة الإنسان فيما يقدمه لا فيما هو عليه.

 

هذه الفكرة تبدو أكثر حضورًا في واقعنا المعاصر، وخصوصًا في قضية المسنين. فكم من أب أو أم أفنيا سنوات العمر في تربية الأبناء وتأمين مستقبلهم، ثم وجدا نفسيهما في نهاية المطاف وحيدين أو معتمدين على مؤسسات الرعاية أو دور المسنين؟ وكم من مسن يمتلك المال والعقارات، لكنه يفتقر إلى أبسط ما يحتاجه الإنسان في شيخوخته: المودة والاهتمام والشعور بأنه ما زال عضوًا فاعلًا ومحترمًا في مجتمعه؟

 

إن وجود مؤسسات متخصصة لرعاية كبار السن ليس أمرًا معيبًا بحد ذاته، بل قد يكون ضرورة إنسانية في بعض الحالات. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه المؤسسات إلى بديل عن الروابط الأسرية أو إلى وسيلة للتخلص من عبء الرعاية. والأخطر من ذلك أن كثيرًا من المسنين الفقراء لا يجدون أصلًا مأوى أو رعاية صحية أو اجتماعية تحفظ لهم كرامتهم.

 

من هنا تبرز الحاجة إلى مبادرات أهلية ومجتمعية تؤسس صناديق ومؤسسات مستقلة لرعاية المسنين، يساهم فيها القادرون من كبار السن وغيرهم، بما يضمن توفير الرعاية الطبية والإنسانية للجميع، سواء كانت على نفقتهم الخاصة أو من خلال برامج تكافل اجتماعي تحمي الفقراء منهم. فالمجتمع الذي يحفظ كرامة آبائه وأمهاته هو المجتمع القادر على بناء مستقبل إنساني لأجياله القادمة.

 

ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا يواصل الآباء والأمهات حب أبنائهم ورعايتهم حتى آخر العمر، بينما يعجز بعض الأبنـاء عن رد جزء يسير من هذا الجميل؟ وهل يستطيع الإنسان حقًا تجاوز جرح الإهمال من أقرب الناس إليه؟

 

ربما لم يكن غريغور سامسا مجرد شخصية روائية، بل تحذيرًا مبكرًا من مجتمع يقيس قيمة الإنسان بقدرته على الإنتاج. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس مستقبل أنظمة التقاعد أو دور الرعاية فحسب، بل مستقبل إنسانيتنا نفسها: هل نحترم الإنسان لأنه نافع، أم لأنه إنسان؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الحياة التي تنتظرنا جميعًا عندما نبلغ خريف العمر.

 

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية