شريط الأخبار
مصر.. مصرع رجل أعمال مصري على يد حفيدته الطفلة بالخطأ كنعان: سياسة الإبعاد الإسرائيلية عنصرية تتحطم على صمود المقدسيين فايننشال تايمز: تدمير إسرائيلي ممنهج بجنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار الرؤية التعليمية بين السردية المحلية والغربية فرص إنهاء الحرب على ايران تضاءلت الأيام الأخيرة وسط ضربات متبادلة وتصعيد كلامي ارتفاع سعر الذهب في السوق المحلية «هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز».. مقالات عابرة للزمن د. ذوقان عبيدات يكتب : سيكولوجيّة فاقد السلطة الضمان الاجتماعي: غالبية خدماتنا متاحة إلكترونيا مأزق واشنطن الإستراتيجي في الصراع مع طهران ومعضلة الخيارات المستحيلة..!! "صناعة عمان" تنظم معرض الصناعات الأردنية.. الخميس مجلس نواب تائه… لمصلحة من؟ ولي العهد يرعى حفل تخريج الفوج السادس من طلبة جامعة الحسين التقنية إحباط محاولة تسلل 5 أشخاص عبر الحدود الشمالية انتخابات غرف الصناعة في 3 تشرين الأول المقبل الأمم المتحدة ترسم صورة قاتمة للضفة الغربية انخفاض مؤشرات الأسهم الأميركية ترامب: طائرتي بعد التبديل السري في تركيا كانت في خطر أكبر الخطيب: نظام التوجيهي خفف على الطالب عبء مواد قد لا يحتاجها أجواء صيفية عادية في أغلب المناطق حتى السبت

«هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز».. مقالات عابرة للزمن

«هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز».. مقالات عابرة للزمن

لم تكن الكتابة بالنسبة للقاص والروائي الراحل مؤنس الرزاز فعلاً معزولاً عن الواقع، بل وسيلة لفهمه ومساءلته والاحتجاج على ما يراه فيه من زيف وقسوة وتناقضات.

هذا ما يبرز للقارئ حين يطالع كتاب «هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز» الصادر في نحو 170 صفحة من القطع المتوسط (٢٠٢٦)، متضمناً مقالات كتبها مؤنس على مدار عقدي الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي ونشرها في جريدتَي «الدستور» و«الراي» الأردنيتين، والتي تتيح للمتلقي الاقتراب من أفكار الرزاز ومواقفه وهواجسه اليومية.

جاءت المقدمة بقلم دولة الدكتور عمر الرزاز الذي أكد فيها أن ما يتضمنه الكتاب ليس مجرد مجموعة من المقالات القديمة، وإنما محاولة لاستعادة صوت فكري وثقافي ما زال قادراً على مخاطبة الراهن؛ فالمقالات التي كُتبت في مراحل زمنية مختلفة، بحسب المقدمة، تحمل في داخلها صورة لمؤنس الإنسان والمثقف والكاتب، وتقدم مادة تساعد القارئ على التعرف إلى السياق الإنساني والأسري والتاريخي الذي تشكلت في داخله شخصيته.

ويوضح د.عمر في مقدمته العلاقة الوطيدة التي جمعته بأخيه، إذ يستعيد صورة مؤنس في مراحل مختلفة من حياته بوصفه إنساناً كان مشغولاً بالهم العام، ومنخرطاً في الأسئلة السياسية والاجتماعية والفكرية، ومن خلال هذه الصورة يتضح أن مؤنس لم يكن يراقب العالم من بعيد؛ بل كان جزءاً من حركته، يحاول أن يفهم ما يجري من حوله وأن يجد موقعه في واقع سريع التغير، ولعل هذه النقطة تحديداً، ما يمنح الكتاب خصوصيته؛ فالمقالات لا تقدم أفكاراً مجردة منفصلة عن صاحبها، وإنما تكشف الطريقة التي كان يفكر بها مؤنس، والطريق الذي قاد أفكاره إلى الكتابة الإبداعية فيما بعد، وكان قد بدأ في وقت مبكر من حياته في تدوين خواطره وملاحظاته، وكأن الكتابة كانت بالنسبة إليه فعلاً يومياً لفهم العالم وترتيب أسئلته الداخلية.

ومن اللافت ما أشار إليه د.عمر من أن مؤنس كتب مجموعة خواطره الأولى في مقتبل العمر تحت عنوان «مد اللسان الصغير في وجه العالم الكبير»، وهو عنوان يبدو كأنه يلخص جانباً أساسياً من تجربة مؤنس الفكرية، حيث يواجه الإنسان الفرد عالماً واسعاً ومضطرباً، ويحاول أن يفهم موقعه فيه، وهذه الفكرة تمتد، بطريقة أو بأخرى، إلى المقالات التي يجمعها الكتاب، فمؤنس لا يتعامل مع القضايا الكبرى باعتبارها موضوعات خارجية، بل يضع الإنسان في مركزها، والسياسة عنده ليست مجرد صراع على السلطة، والتاريخ ليس مجموعة أحداث، والثقافة ليست ترفاً.. وإنما كلها أسئلة تتصل بحياة الإنسان وكرامته وحريته وقدرته على الاختيار.

كان مؤنس قد درس الفلسفة في الجامعة، وانخرط في العمل الحزبي والنقابي، وانتُخب رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين.. وهي تجارب تكشف عن مثقف امتلك حساسية عالية تجاه الزيف والقسوة والمناكفات والانتهازية التي قد تحيط بالعمل السياسي، لذلك اختار في مرحلة من حياته الابتعاد عن السياسة بمعناها الضيق، والتفرغ للكتابة التي فتحت له آفاقاً فكرية وتعبيرية أكثر رحابة، ومن هنا بدت الكتابة بالنسبة له شكلاً آخر من أشكال الاشتباك مع الحياة، لأن الذي ينسحب من الممارسة السياسية المباشرة لا ينسحب بالضرورة من أسئلة المجتمع. وربما كان انتقال مؤنس إلى الكتابة هو انتقال من ساحة الفعل المباشر إلى ساحة أكثر اتساعاً؛ ساحة يستطيع فيها أن يسأل ويعترض ويناقش ويعيد النظر في الأشياء دون أن يكون أسيراً لحسابات السياسة اليومية.

وتكشف المقالات التي يضمها الكتاب والمرتّبة وفق تاريخ نشرها عن هذا العقل القلق الذي لا يكتفي بالإجابات الجاهزة ولا يركن لها. وباستعراض سريع لعناوين عدد منها من مثل: «الخروج من المتاهة»، «بين الشعار والموقف العملي»، «المذبحة.. والوطن المستباح»، «يوميات منافق انتهازي»، «من حق الإنسان أن..»، نرى أنه يكتب عن الإنسان، والسياسة، والتاريخ، والفلسفة، والمجتمع، والحياة الثقافية، ويحاول أن يرى العلاقة بين هذه المجالات جميعاً.

ومن أكثر ما يمنح الكتاب قيمته اليوم أن بعض المقالات تبدو وكأنها تتجاوز اللحظة التي كُتبت فيها، صحيح أنها تنتمي إلى سياقات سياسية واجتماعية وثقافية محددة، لكن القضايا التي يثيرها مؤنس تتصل بجوهر الحياة العامة: علاقة الفرد بالمجتمع، دور المثقف، معنى الحرية، مسؤولية الكاتب، وموقف الإنسان من عالم لا يتوقف عن التغير، لذا فإن عنوان الكتاب «هكذا كان يفكر مؤنس الرزاز» هو بمثابة دعوة إلى الاقتراب من عقل الكاتب وقراءة مؤنس/ الإنسان الذي كان يراقب الحياة اليومية، ويطرح الأسئلة، ويجادل، ويعيد النظر، ويتأمل في تفاصيل العالم من حوله، ومؤنس/ المثقف الذي لم يتعامل مع الكتابة بوصفها مهنة، وإنما بوصفها ضرورة داخلية؛ ضرورة أن يفهم، وأن يسأل، وأن يعترض، وأن يترك أثراً يستمر جيلاً بعد جيل.

ومن هذه الزاوية تحمل العودة إلى مقالات مؤنس اليوم معنى خاصاً؛ فالعالم الذي تغيّر كثيراً منذ كتابة تلك المقالات لم يتخلص بالضرورة من الأسئلة التي دفعت صاحبها إلى الكتابة، بل إن بعض تلك الأسئلة قد تبدو أكثر إلحاحاً الآن.