شريط الأخبار
في لقاء مع التلفزيون الأردني .. أ.د.حمدان : تخصصات عمان الاهلية متوائمة مع التطوّرالسريع في سوق العمل تنظيم المهنة الطبية بين سلطة الدولة واستقلال النقابات مجلس رؤساء الكنائس: 2030 محطة مفصلية لتعزيز مكانة الأردن على خارطة الحج المسيحي الدروس السياسية والعسكرية من سقوط بغداد عام 2003 غدا الأحد.. إغلاق باب استقبال المشاركات بجائزة خليل السالم الزراعية البدور :لا مواعيد للمرضى الجدد في عيادات البشير و حمزة الملك يبدأ الاثنين زيارة دولة للصين الشعبية خصوصية السياحة الأردنية.. بين تقلبات المحيط وفرصة إعادة التموضع الحاج توفيق: مجلس الأعمال الأردني–السعودي يلتئم في عمّان نهاية الشهر الحالي موقع يانيت الاسرائيلي: هل الشرع هو السادات الجديد الجيش يضبط 3 اشخاص حاولوا التسلل عبر الحدود المجالس الوطنية الاستشارية (1978-1984).. المأسسة الرسمية لـ "نخبة التعيين" القرصان ترامب: سأعلن قريبا جدا أن مضيق هرمز بات تابعا للأراضي الأميركية قبل أن يسقط السيف على عنق السلطة الفلسطينية الأمم المتحدة: 900 حاجز للاحتلال يعرقل المساعدات في الضفة تجارة الأردن: طلب متوسط على الأجهزة الكهربائية محليا مترو بغداد.. هل سيرى النور بعد سبات طويل؟ تجار من مختلف محافظات المملكة يطلعون على تطور المنتجات الأردنية في معرض الصناعات عضو نقابة أطباء: نحو 43 ألف طالب على مقاعد الطب داخل الأردن وخارجه الأميرة إيمان والسيد جميل ترميوتس يرزقان بتوأمتين

تنظيم المهنة الطبية بين سلطة الدولة واستقلال النقابات

تنظيم المهنة الطبية بين سلطة الدولة واستقلال النقابات


 

الدكتور حازم القرالة

 

يعتبر تنظيم العمل الطبي من المسائل التي تتداخل فيها عدة جهات، فهناك وزارة الصحه، وهناك النقابات المهنية، اضافة الى اللجان والجهات الفنية التي قد تشارك في تنظيم بعض جوانب الممارسة الطبية. وهذا التعدد في الجهات لا يعني بالضرورة وجود تعارض في الاختصاص، وانما يفترض ان يكون لكل جهة دور محدد تمارسه ضمن الحدود التي رسمها القانون.

 

ومن هنا تبرز اهمية تحديد نطاق اختصاص كل جهة، خاصة في المسائل المتعلقة بترخيص ممارسة المهنة، وترخيص المؤسسات والعيادات والمراكز الصحية، والرقابة على الممارسة، بالاضافة الى الجانب المهني والتأديبي الذي يدخل في نطاق اختصاص النقابات وفقا للقوانين الناظمة لها.

 

فالاصل ان الاختصاص لا يفترض، ولا يجوز لجهة ان تمارس اختصاصا لم يمنحه لها القانون. والجهة الادارية تمارس صلاحياتها استنادا الى النصوص القانونية التي حددت اختصاصها، وكذلك النقابة تمارس صلاحياتها في الحدود التي رسمها قانونها، ولا يجوز التوسع في تفسير هذه الصلاحيات بما يؤدي الى سلب اختصاص جهة اخرى.

 

وتعتبر وزارة الصحة الجهة الادارية الرئيسية المعنية بتنظيم الشؤون الصحية، وتمارس في هذا المجال الصلاحيات التي منحها لها قانون الصحة العامة والتشريعات ذوات العلاقه ، ومن بينها ما يتعلق بترخيص المهن الصحية وترخيص المؤسسات والعيادات والمراكز الصحية والرقابة عليها.

 

وفي المقابل، فان النقابات المهنية لها دور مهم في تنظيم المهنة من الناحية المهنية، والمحافظة على اخلاقياتها ومستواها، وتمثيل اعضائها والدفاع عن مصالحهم، وممارسة الصلاحيات التأديبية والمهنية التي منحها لها القانون.

 

وهنا يجب التفريق بين الاختصاص الاداري والاختصاص المهني. فكون النقابة تمثل المهنة وتملك خبرة مهنية لا يعني انها تحل محل الجهة الادارية في ممارسة اختصاصاتها، كما ان كون وزارة الصحة صاحبة اختصاص اداري في الترخيص والرقابة لا يعني ان دور النقابة يصبح معدوما او هامشيا في المسائل التي جعلها القانون من اختصاصها.

 

وقد يطلب القانون في بعض الحالات رأي النقابة قبل اتخاذ القرار من الجهة المختصة، وهنا يجب التمييز بين ابداء الرأي وبين اصدار القرار. فالرأي المهني للنقابة قد يكون اجراء مطلوبا قبل اتخاذ القرار، لكنه لا يعني بالضرورة ان النقابة هي صاحبة القرار النهائي، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

 

وهذه المسألة مهمة في العمل الطبي، لان بعض القرارات قد تحتاج الى رأي فني ومهني من اهل الاختصاص، ولكن الحاجة الى هذا الرأي لا تؤدي الى نقل الاختصاص من الجهة التي منحها القانون سلطة اتخاذ القرار.

 

كما ان مشاركة ممثلين عن النقابة في لجان تشكلها الوزارة او الجهات الرسمية لا تعني انتقال الاختصاص الى النقابة. فالعبرة في النهاية بالنص القانوني الذي حدد اختصاص اللجنة وطبيعة القرار الذي تملكه الذي هو غالبا التنسيب لمعالي الوزير الذي يملك صلاحية إصدار القرار بنفسه أو من خلال أحد موظفي الوزارة بموجب تفويض قانوني صريح وهنا يبرز الفرق بين صناعة القرار واتخاذه، فاللجان المعنية تصنع القرار والوزير يملك صلاحية اتخاذه تعديله أو رفضه

 

ومن الامور التي يجب الانتباه اليها ايضا ان تنظيم ممارسة المهنة يختلف عن تنظيم المنشأة الصحية. فقد يكون للطبيب الحق في ممارسة مهنته من الناحية المهنية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ان العيادة او المركز الذي يمارس فيه عمله مستوف لشروط الترخيص، كما ان ترخيص المنشأة لا يعني بالضرورة ان كل ممارسة تتم داخلها اصبحت مشروعة اذا كانت تخالف القوانين والانظمة الخاصة بالمهنة.

 

وهذا يوضح ان عملية تنظيم العمل الطبي تقوم على اكثر من مستوى، منها ترخيص الممارس، وترخيص المنشأة، والرقابة على الممارسة، والرقابة على الالتزام بالشروط الصحية والفنية، والمسؤولية المهنية والتأديبية.

 

وقد تتداخل هذه المستويات في واقعة واحدة، ولكن لكل منها جهة مختصة واجراءات قانونية مختلفة. فقد تشكل واقعة معينة مخالفة ادارية من جهة، ومخالفة مهنية من جهة اخرى، وقد تترتب عليها مسؤولية قانونية بحسب طبيعة الفعل. ولا يعني ذلك ان جهة واحدة تملك جميع الصلاحيات المتعلقة بالواقعة.

 

ومن هنا، فان وجود مخالفة في ممارسة طبية لا يعني تلقائيا ان الجهة التي اكتشفت المخالفة تملك صلاحية توقيع جميع انواع الجزاءات عليها، بل يجب الرجوع الى القانون لمعرفة الجهة التي منحها المشرع هذه الصلاحية والاجراءات التي يجب اتباعها.

 

وهذا يقودنا الى قاعدة اساسية في العمل الاداري، وهي ان الاختصاص يحدد بالقانون. فلا يجوز للجهة الادارية ان تتوسع في اختصاصها لمجرد ارتباط الموضوع بالصحة العامة، كما لا يجوز للجهة المهنية ان تتوسع في اختصاصها لمجرد ارتباط الموضوع بالمهنة.

 

فالغاية من تنظيم الاختصاصات ليست تعقيد العمل او توزيع المسؤولية بين الجهات، وانما منع التداخل وضمان ان يصدر كل قرار عن الجهة التي منحها القانون صلاحية اصداره.

 

كما ان القضاء له دور مهم في ضبط هذه الحدود، من خلال الرقابة على مشروعية القرارات والاجراءات التي تتخذها الجهات المختلفة، والتحقق من ان كل جهة قد مارست اختصاصها ضمن الحدود التي رسمها القانون، وان الاجراءات التي اتخذت كانت مستندة الى اساس قانوني صحيح.

 

ولا يعني وجود حكم قضائي في مسألة معينة ان جميع الوقائع المشابهة تكون بالضرورة متطابقة معها، اذ يجب دائما النظر الى وقائع كل حالة والنصوص القانونية التي تنطبق عليها وطبيعة الاختصاص محل البحث. ولذلك فان الاستناد الى الاحكام القضائية يجب ان يكون من خلال المبادئ القانونية التي قررتها وفي حدود الوقائع والاختصاصات التي تناولها الحكم.

 

وفي النهاية، فان العلاقة بين وزارة الصحة والنقابات المهنية وباقي الجهات ذات العلاقة بالعمل الطبي يجب ان تقوم على التكامل وليس التداخل. فالوزارة تمارس اختصاصها الاداري والتنظيمي والرقابي وفقا للقانون، والنقابة تمارس اختصاصها المهني والتأديبي والتمثيلي وفقا للقانون، والجهات الفنية تقدم الخبرة التي تحتاجها عملية اتخاذ القرار.

 

ولا يصح ان تتحول مشاركة النقابة في تنظيم المهنة الى ممارسة لاختصاص اداري لم يمنحه لها القانون، كما لا يصح ان تتحول صلاحيات الوزارة الادارية الى تدخل في صميم الاختصاص المهني الذي اسنده القانون الى النقابة.

 

وفي تقديري، فان وضوح حدود الاختصاص بين هذه الجهات هو من اهم الامور التي يحتاجها القطاع الطبي، لان وضوح الاختصاص لا يحمي الجهة الادارية فقط، وانما يحمي النقابة والطبيب والممارس الصحي والمؤسسة الصحية ايضا، ويمنع صدور قرارات متعارضة او اتخاذ اجراءات من جهات غير مختصة.

 

وفي النهاية، فان تنظيم العمل الطبي لا يقوم على تغليب جهة على اخرى، وانما على احترام القانون وتوزيع الاختصاصات بصورة واضحة، بحيث تمارس كل جهة دورها دون ان تتجاوز على اختصاص غيرها، وبما يحقق الهدف الاساسي من هذه المنظومة، وهو حماية المريض وضمان سلامة الممارسة الطبية والحفاظ على مستوى المهنة وتحقيق المصلحة العامة.

 

 

 

الدكتور حازم القرالة

مدير مديرية ترخيص المهن والمؤسسات الصحية

عضو مجلس نقابة الأطباء الأردنية