شريط الأخبار
قبول استقالة سمر نصار .. والبدارنة أميناً عاماً لاتحاد الكرة بالإنابة جمال عبد الناصر: قراءة في الإدارة والتفكير والتخطيط الاستراتيجي بريطانيا تشدد قيود تصدير الأسلحة إلى إسرائيل وتجمّد أكثر من 80 ترخيصًا القبض على مشتبه به بقتل والده المقعد ضربا 5 كانون الأول موعدا لانتخابات الغرف التجارية طهبوب تمطر الحكومة بـ 47 سؤالا عن صندوق النقد الدولي "إمام مسجد" يسرق وزوجته منزل والديه: الحصيلة 75 ألف دينار و3 كغم ذهب الأردن يسير قافلة مساعدات جديدة إلى لبنان من 20 شاحنة الحاج توفيق يعلن عزمه الترشح مجددا لانتخابات غرفة تجارة عمان أبو رمان يطالب بتمديد مهلة تصويب أوضاع العمالة غير الأردنية شهرا إضافيا سندويتشات أردنية.. القانون، أم المجتمع؟ الصليب الأحمر تدعو إلى حماية عاجلة للمدنيين في الضفة الغربية انخفاض جديد على أسعار الذهب محليا .. 84 دينارا للغرام بمنشار.. طالب يعتدي على معلم في الزرقاء مجموعة متخصصة بسرقة المنازل بعمان بقبضة الأمن ارتفاع الصادرات الوطنية 4.6% .. وانخفاض عجز الميزان التجاري 6% الثلاثاء .. كتلة هوائية رطبة وانخفاض الحرارة الجيش يحبط محاولة تسلل أربع اشخاص عبر الحدود الجيش: إجلاء 51 طفلًا من مرضى غزة للعلاج في المستشفيات الأردنية وزير خارجية بريطانيا: ما تفعله إسرائيل في غزة والضفة وصمة عار على ضمير العالم

جمال عبد الناصر: قراءة في الإدارة والتفكير والتخطيط الاستراتيجي

جمال عبد الناصر: قراءة في الإدارة والتفكير والتخطيط الاستراتيجي

بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

بعد أكثر من نصف قرن على وفاة جمال عبد الناصر، ما زال النقاش حوله يدور غالباً بين صورتين متناقضتين: الزعيم القومي الذي أعاد لمصر والعرب الثقة والكرامة، والحاكم الذي انتهى مشروعه إلى هزيمة عسكرية وانقسامات عربية وأزمات سياسية واقتصادية.

ربما يكون من المفيد الابتعاد عن ثنائية الحب والكراهية، والنظر إلى تجربة عبد الناصر من زاوية أخرى: الإدارة، والتفكير الاستراتيجي، والتخطيط، والنتائج.

فعبد الناصر لم يكن يدير شؤون مصر اليومية فقط، بل قاد خلال ثمانية عشر عاماً برنامجاً استراتيجياً واسعاً شمل إنهاء النفوذ الأجنبي، وإعادة بناء الدولة، والتصنيع، والإصلاح الاجتماعي، وبناء قوة عسكرية، وقيادة مشروع قومي عربي، وتوسيع النفوذ المصري إقليمياً، ومواجهة إسرائيل.

وبلغة الإدارة الحديثة، كان أمامه برنامج استراتيجي متعدد المشاريع تتنافس عناصره على الموارد المالية والعسكرية والبشرية نفسها.

ومن هنا يصبح السؤال الأساسي: إلى أي مدى استطاع عبد الناصر تحويل رؤيته السياسية الكبيرة إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ وتحقيق النتائج التي سعى إليها؟

 

الرؤية ليست هي الاستراتيجية

لا يمكن القول إن عبد الناصر افتقر إلى الرؤية أو الطموح.

كان يريد مصر مستقلة القرار، متحررة من النفوذ الاستعماري، تمتلك قاعدة صناعية، وتوسع التعليم، وتحقق قدراً أكبر من العدالة الاجتماعية، وتلعب دوراً قيادياً في العالم العربي.

وقد تحققت إنجازات مهمة.

كان تأميم قناة السويس سنة 1956 قراراً استراتيجياً عالي المخاطر. ورغم العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، بقيت القناة في النهاية تحت السيادة المصرية، وارتفعت مكانة عبد الناصر عربياً بصورة كبيرة.

كما نفذت مصر السد العالي، وتوسعت في التعليم والتصنيع وفي دور الدولة الاقتصادي.

إذن لم تكن المشكلة غياب القدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى.

لكن هناك فرقاً بين نجاح عدد من المشاريع ونجاح الاستراتيجية الكلية.

 

تعدد الأهداف وتشتت الموارد

من المبادئ الأساسية في التخطيط الاستراتيجي أن الموارد محدودة، ولذلك لا بد من ترتيب الأولويات.

في الستينيات كانت مصر تحاول في الوقت نفسه إعادة هيكلة اقتصادها، والتوسع الصناعي، وبناء السد العالي، وإعادة تسليح الجيش، ودعم حركات ومشروعات عربية، والتدخل عسكرياً في اليمن، والمحافظة على دور قيادي عربي، والاستعداد لمواجهة إسرائيل.

كل هدف من هذه الأهداف يحتاج إلى موارد كبيرة.

وتقدم حرب اليمن مثالاً واضحاً على خطر توسع الالتزام الاستراتيجي. بدأ التدخل المصري سنة 1962 لتحقيق هدف سياسي محدد، لكنه تحول إلى وجود عسكري كبير وطويل الأمد استهلك أعداداً كبيرة من القوات والموارد.

ومن منظور إدارة المشاريع، يمكن النظر إلى ذلك باعتباره شكلاً من توسع نطاق المشروع: يبدأ الالتزام بهدف محدد، ثم تتوسع المدة والموارد والتكلفة بينما يصبح الخروج أكثر صعوبة.

والسؤال الإداري هنا لا يتعلق بمشروعية دعم الجمهورية اليمنية، وإنما بما إذا كان العائد الاستراتيجي المتوقع يبرر حجم الموارد المستخدمة، خصوصاً مع وجود تحديات أخرى أعلى أولوية.

 

إدارة المخاطر وهزيمة 1967

ربما ظهرت أخطر نقاط الضعف في إدارة المخاطر خلال الأزمة التي سبقت حرب يونيو 1967.

في مايو تلقت مصر معلومات سوفياتية عن حشود إسرائيلية على الحدود السورية، وتبين أن هذه المعلومات لم تكن صحيحة. ومع ذلك تحركت القوات المصرية إلى سيناء، ثم طلبت القاهرة انسحاب قوات الطوارئ الدولية، وأغلقت مضائق تيران. وكل قرار من هذه القرارات رفع مستوى احتمالات المواجهة العسكرية.

وهنا يظهر السؤال الأساسي في إدارة المخاطر:

إذا كانت سلسلة القرارات المتخذة قد تقود إلى حرب شاملة، فهل كانت القوات المسلحة مستعدة فعلاً لهذا السيناريو؟

النتيجة كانت قاسية. خلال ستة أيام تغيرت خريطة المنطقة، واحتلت إسرائيل سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية والجولان.

ومن منظور الإدارة، ليست المشكلة فقط في وقوع الحرب، وإنما في الفجوة بين حجم المخاطر التي قبلتها القيادة وبين القدرة الفعلية للدولة على التعامل معها عندما تحققت.

فالقرار الاستراتيجي لا يقوم فقط على ما يتوقع القائد حدوثه، بل على السؤال الأصعب:

ماذا سنفعل إذا كان تقديرنا خاطئاً وتحقق أسوأ سيناريو؟

 

مركزية القرار والحوكمة

كان النظام الناصري شديد المركزية.

وللمركزية مزايا؛ فهي تسمح بسرعة القرار وحشد الموارد، وقد تكون مفيدة في تنفيذ مشاريع قومية كبرى.

لكنها تحمل خطراً مقابلاً: عندما يخطئ مركز القرار، قد يمتد الخطأ إلى النظام كله.

الإدارة الحديثة تحتاج إلى وجود مؤسسات تستطيع اختبار فرضيات القيادة، وتقديم المعلومات التي قد لا ترغب القيادة في سماعها، والاعتراض عندما ترى أن الخطة لا تتناسب مع الإمكانات المتاحة.

ومن هنا تبرز أهمية الحوكمة والمساءلة.

والعلاقة بين عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، وطبيعة توزيع السلطة داخل المؤسسة العسكرية قبل 1967، تثير أسئلة مهمة حول وضوح المسؤولية وسلسلة القيادة والمحاسبة.

فالدولة القوية ليست التي تمتلك قائداً قوياً فقط، بل التي تمتلك مؤسسات تستطيع اكتشاف الأخطاء وتصحيحها قبل أن تتحول إلى أزمات استراتيجية.

 

السياسة العربية: عندما يصبح أمن النظام أولوية

ولا يمكن تقييم استراتيجية عبد الناصر من داخل مصر وحدها.

فمشروعه القومي دخل في مواجهة مع عدد من الحكومات العربية التي رأى أنها مرتبطة بالغرب أو تقف في مواجهة مشروع الوحدة العربية. واستخدم في هذا الصراع الخطاب السياسي والإعلامي ودعم القوى القومية المعارضة لبعض الأنظمة.

وتظهر الوثائق الأمريكية المعاصرة بوضوح حجم المخاوف التي كانت موجودة لدى حكومات عربية من محاولات زعزعة أنظمتها، مع ضرورة تذكر أن هذه الوثائق تعكس أيضاً منظور الحكومات الأمريكية وحلفائها في تلك المرحلة.

والنتيجة الاستراتيجية تستحق الدراسة.

 

الحكومة التي تشعر بأن بقاء النظام نفسه مهدد تعيد ترتيب أولوياتها.

بدلاً من التركيز بصورة رئيسية على الاقتصاد والتنمية والتعليم وبناء المؤسسات، تزداد أولوية الأمن الداخلي ومراقبة المعارضة ومنع الانقلابات.

وبذلك ساهم الصراع الإقليمي في جعل بعض الحكومات العربية أكثر تركيزاً على أمن النظام وأقل تركيزاً على التنمية.

ولا يمكن تحميل عبد الناصر وحده مسؤولية ذلك؛ فقد ساهمت عوامل أخرى كالحرب الباردة والصراع العربي الإسرائيلي والانقلابات والصراعات الداخلية. لكن السياسة الإقليمية القائمة على الضغط على الأنظمة ومحاولة تغييرها ساعدت على جعل أمن النظام أولوية متزايدة.

ومن زاوية استراتيجية، قد تكون هذه إحدى النتائج غير المقصودة للمشروع الناصري.

فإذا كان الهدف بناء عالم عربي أقوى، بينما تدفع الوسائل المتبعة الحكومات إلى المزيد من الشكوك والإنفاق الأمني والبحث عن حماية خارجية، فإن هناك تناقضاً بين الوسيلة والغاية.

 

إسقاط نظام لا يعني نجاح الاستراتيجية

العراق بعد ثورة 14 يوليو 1958 يقدم مثالاً مهماً.

كان النظام الملكي وحكومة نوري السعيد من أبرز خصوم السياسة الناصرية. وعندما سقط النظام بدا أن ميزان القوى العربي يتحرك لصالح التيار القومي.

لكن عبد الكريم قاسم لم يجعل العراق جزءاً من المشروع الذي تقوده القاهرة. وسرعان ما نشأ خلاف حاد بين بغداد وعبد الناصر.

وهذا يكشف فرقاً أساسياً في إدارة الاستراتيجية بين النتيجة المباشرة والنتيجة النهائية المستهدفة.

سقوط نظام معارض قد يكون نتيجة مباشرة.

أما الهدف الاستراتيجي فهو أن ينتج عن ذلك نظام أكثر تعاوناً واستقراراً ويخدم المصلحة المطلوبة.

وإذا أدى التغيير إلى ظهور حكومة أكثر عداءً أو استقلالاً، فإن نجاح المرحلة الأولى لا يعني نجاح الاستراتيجية.

القدرة على إزالة الوضع القائم لا تعني القدرة على التحكم في الوضع الذي سيحل محله.

 

سوريا: إطلاق المشروع لا يعني استدامته

الأمر نفسه يمكن تطبيقه على الوحدة المصرية السورية.

قيام الجمهورية العربية المتحدة سنة 1958 كان تحقيقاً فعلياً لأحد أكبر أهداف القومية العربية. لكن سوريا انفصلت عن الاتحاد في سبتمبر 1961.

المشكلة هنا لا تتعلق بالرؤية وحدها، بل بإدارة الشريك.

فأي اندماج بين دولتين لهما مؤسسات ونخب واقتصاد وجيش ومصالح مختلفة يحتاج إلى نموذج حوكمة يشعر فيه الطرفان بالمشاركة.

الرؤية المشتركة وحدها لا تكفي.

وبمنهج إدارة المشاريع، فإن نجاحك في إطلاق مشروع كبير لا يكفي؛ نجاح المشروع يقاس أيضاً بقدرته على الاستمرار.

النتائج غير المقصودة للاستراتيجية

التفكير الاستراتيجي لا يقتصر على السؤال: ماذا سأفعل؟

بل يشمل سؤالاً أكثر أهمية: ماذا سيدفع قراري الآخرين إلى أن يفعلوا؟

فإذا كانت ممارسة الضغط على دولة عربية تدفعها إلى تعزيز أجهزتها الأمنية، أو الاقتراب أكثر من قوى دولية للحصول على الحماية، فقد تحقق الاستراتيجية نتيجة مخالفة لهدفها الأصلي.

وهذه هي الآثار غير المباشرة أو النتائج من الدرجة الثانية للقرار.

ولعل أحد أوجه الضعف في المشروع الناصري كان التركيز بدرجة كبيرة على تغيير البيئة العربية القائمة، دون القدرة نفسها على بناء نظام إقليمي مستقر يحل محلها.

 

القدرة على التعافي بعد الفشل

لكن التقييم المهني يجب ألا يتوقف عند الأخطاء.

بعد هزيمة 1967 لم تنهَر الدولة المصرية. أُعيد بناء القوات المسلحة، وحصلت مصر على إمدادات عسكرية سوفياتية واسعة، ثم دخلت مرحلة حرب الاستنزاف.

وهذا يعكس قدرة على التخطيط للتعافي بعد الفشل الاستراتيجي.

ولا تلغي القدرة على التعافي المسؤولية عن القرارات السابقة، لكنها تكشف جانباً آخر من القيادة: القدرة على إعادة بناء المؤسسة بعد الأزمة.

 

نجاح المشاريع أم نجاح الاستراتيجية؟

وهنا أصل إلى السؤال المركزي.

حقق عبد الناصر عدداً من المشاريع المهمة: قناة السويس بقيت مصرية، والسد العالي أنجز، واتسع التعليم والتصنيع، وأصبحت مصر ذات حضور إقليمي ودولي واسع.

لكن الإدارة الاستراتيجية لا تقيس النجاح بعدد المشاريع المنجزة فقط.

بل تسأل هل أوصل مجموع هذه المشاريع الدولة إلى الحالة النهائية التي استهدفتها؟

عند وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 كانت النتيجة مختلطة.

كانت مصر أكثر استقلالاً وتمتلك بنية صناعية وتعليمية أوسع، ولها وزن عربي ودولي كبير.

لكن سيناء كانت تحت الاحتلال، ومشروع الوحدة العربية لم يتحقق، والاقتصاد تحمل أعباء كبيرة، وحرب اليمن استنزفت موارد مهمة، كما أن العلاقات بين عدد من الدول العربية أصبحت أكثر توتراً.

وهنا يظهر الفرق بين نجاح المشاريع ونجاح الاستراتيجية.

قد تنجح مشاريع كثيرة، بينما لا تتحقق الاستراتيجية الكبرى بالمستوى نفسه.

القيادة الشخصية والقيادة المؤسسية

لا خلاف على أن عبد الناصر امتلك قدرة استثنائية على مخاطبة الجماهير وحشدها.

وهذه صورة واضحة من القيادة الكاريزمية أو القيادة القائمة على الحضور الشخصي للقائد.

لكن الدول لا تبنى على قوة الشخصية وحدها.

فالقيادة المستدامة تحتاج إلى قيادة مؤسسية: مؤسسات قادرة على العمل، ونظام معلومات ينقل الأخبار الجيدة والسيئة معاً، وآليات للاعتراض والمراجعة والمساءلة، وتوزيع واضح للصلاحيات والمسؤوليات.

وهنا ربما تظهر إحدى أهم مفارقات تجربة عبد الناصر:

كلما ازدادت قوة القائد الشخصية، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات تحد من مخاطر الخطأ الفردي.

 

الخلاصة

كان جمال عبد الناصر قائداً صاحب رؤية واسعة وطموح استثنائي، واستطاع حشد الجماهير واتخاذ قرارات كبرى وتنفيذ مشروعات وطنية مهمة.

لكن تجربته تكشف أيضاً مشكلات في ترتيب الأولويات، وإدارة الموارد والمخاطر، والحوكمة، واختبار الافتراضات، وإدارة الأطراف المعنية، وتقدير ردود أفعال الآخرين والنتائج غير المقصودة للقرارات.

وربما يكون أهم درس إداري في تجربته أن القيادة لا تقاس بحجم الحلم وحده.

السؤال ليس فقط ماذا تريد أن تحقق؟

بل أيضاً:

هل تتناسب أهدافك مع مواردك؟

هل رتبت أولوياتك؟

هل اختبرت افتراضاتك؟

هل لديك مؤسسات تستطيع أن تقول لك إنك مخطئ؟

هل وضعت خطة لأسوأ الاحتمالات؟

هل حسبت كيف سيتصرف الآخرون نتيجة قراراتك؟

وأخيراً هل النتيجة التي وصلت إليها هي فعلاً النتيجة التي بدأت المشروع من أجلها؟

ومن هذه الزاوية، تقدم تجربة جمال عبد الناصر دراسة حالة مهمة في القيادة والتخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر؛ تجربة حققت إنجازات مهمة، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الطموح الكبير يحتاج إلى إدارة استراتيجية لا تقل عنه حجماً ودقة.